للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأنفس، والمصائب، والأرض، كما قال النبي : «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وكَاَنَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». أخرجه مسلم (١).

وأخبر أن مصدر ذلك كله قدرته عليه، وأنه يسير عليه، وحكمته البالغة التي منها ألا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، وقد كتب ذلك قبل خلقهم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)[القمر: ٤٩ - ٥٠].

فإذا علموا ذلك هان عليهم الفائت، فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل منه، لعلمهم أن المصيبة مقدَّرةٌ في كل ما يقع على الأرض، فكيف يفرح بشيءٍ قد قُدرت المصيبة فيه قبل خلقه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)[التغابن: ١١]

ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب، أو خوف فواته، أو حصول مكروه، أو خوف حصوله، نبَّه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته حيث لم يحصل، ونبَّه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعه، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع لها.

وهذه هي أنواع المصائب، فإذا تيقن العبد أنها مكتوبةٌ مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وما أخطأه منها لم يكن ليصيبه، هانت عليه، وخف حكمها عليه، وأنزلها منزلة الحر والبرد، يأتي هذا، ثم يأتي هذا.


(١) أخرجه مسلم برقم: (١٦/ ٢٦٥٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>