والجزع ضعفٌ في النفس، وخوفٌ في القلب، يمده شدة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر.
ومتى آمن العبد بالقدر، علم أن المقدر كائن ولا بدَّ، وعلم أن المصيبة مقدرةٌ في الحاضر والغائب والمستقبل كميةً، ونوعيةً، ومكانًا وزمانًا، فلم يجزع، ولم يفرح، وإلا فالجزع عناءٌ محض، ومصيبةٌ ثانيةٌ فوق المصيبةِ الأولى.
أما رقة القلب، فإنها ناشئة من صفة الرحمة التي هي الكمال، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
وكان رسول الله ﷺ أرق الناس قلبًا، وأغزرهم دمعًا، وأبعدهم من الجزع؛ لكمال معرفته ورحمته، وأقرب الخلق إلى الله أعظمهم رأفةً ورحمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فالقلب إذا أشرق فيه نور الإيمان، واليقين بالوعد والوعيد، وامتلأ من محبة الله وإجلاله، رق، وسكنت فيه الرحمة والرأفة، فتراه رقيق القلب، رحيمًا بكل مخلوق: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ولا يجوز للعباد أن يرضوا بكل مقضيٌ مقدرٍ من أفعال العباد كالكفر والمعاصي، ولكن على الناس أن يرضوا بكل ما أمر الله به وشرعه، فليس لأحدٍ أن يسخط ما أمر الله به وشرعه؛ فإن الله ﷿ لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب المعاصي، فضلًا أن يأمر بها: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا