قد أثرت العبادة من كثرتها وحُسنها في وجوههم، حتى استنارت، ولما استنارت بالإيمان بواطنهم، استنارت بالجلال والجمال ظواهرهم، والقلب إذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة الله وإجلاله، رق وصارت فيه الرأفة والرحمة.
فتراه رحيماً رقيق القلب بكل ذي قربى، وبكل مسلم، وبكل مخلوق، يرحم الطير في وكره، والنملة في جحرها، فضلاً عن بني جنسه، فهذا أقرب القلوب من الله، وهو أرحم الخلق: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
والله ﷿ إذا أراد أن يرحم عبداً أسكن في قلبه الرأفة والرحمة، وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة، فَتَخَلَّق بالغلظة والقسوة، ولا تنزع الرحمة إلا من شقي، فالدين كله رحمة للعالمين: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والرسل إنما بعثوا بالرحمة، وأبو بكر الصديق ﵁ إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة زيادة على الصديقية.
ولهذا أظهر أثرها في جميع مقاماته، حتى في فداء الأسرى يوم بدر، واستقر الأمر في شأن الأسرى على ما أشار به ﵁، وفي بذله ماله كله في سبيل الله، وفي هجرته مع الرسول ﷺ، وفي جهاده معه، ويوم وفاة النبي ﷺ، وأثناء خلافته.