فالثلج مثلًا كماله الأول ببرودته في ذاته، وكماله الثاني أن يبرد غيره، والنار كمالها الأول بشدة حرارتها في ذاتها، وكمالها الثاني بإحراق غيرها.
فكذلك الكمال الأول للرجل الصالح أن يبلغ قمة الصلاح في حد ذاته، وكماله الثاني أن يكون مصلحًا لغيره بتأثيره فيه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
فكماله الأول بالإيمان والعمل الصالح، وكماله الثاني بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
فالمؤمن إذا كان راسخًا في إيمانه، كاملًا في طاعته للحق، فهو على الكمال الأول من حيث اتصافه بصفة الإيمان.
فإذا قويت فيه تلك الصفة واستحكمت لدرجة أنه بدأ يدعو غيره إلى الحق، ويهيب به إلى اتباعه، والسير في طاعة الله من خلال سلوكه المثالي، وأخلاقه الكريمة، فإنه يرقى إلى الكمال الثاني بإصلاح غيره: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فللإيمان كمالان:
أولهما: أن يكون المؤمن في حد ذاته متقيًا لله، خاشعًا له، مطيعًا لأحكامه وأوامره إلى أخر أنفاس حياته، معتصمًا بحبله المتين بكل ما له من قوة، كما قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].