والله ﷿ خلق آدم ورباه في الجنة، ثم أنزله إلى الأرض؛ ليكون هو وذريته خلفاء الأرض، وقد استخلف الله آدم وذريته في الأرض؛ لعمارتها وإصلاحها، واستخدام الكنوز والطاقات المودعة فيها: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
ووضع سبحانه للجن والإنس منهجًا متكاملًا؛ ليعملون على وفقه في هذه الأرض، منهجًا يقوم على الإيمان والعمل الصالح، وفي الرسالة الأخيرة للبشرية فصل الله هذا المنهج: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وفي هذا المنهج العظيم ليست عمارة الأرض، واستغلال ثرواتها، والانتفاع بطاقاتها، هو وحده المقصود، ولكن المقصود الأعظم هو هذا مع العناية بقلب الإنسان؛ ليبلغ الإنسان كماله المقدر له في هذه الحياة، فلا ينتكس حيوانًا في وسط الحضارة المادية الزاهرة، ولا يهبط إلى الدرك الأسفل بإنسانيته، ويرتفع إلى الأوج في استغلال موارد الثروة الظاهرة والمخبوءة.
وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب عليها همجٌ وغزاة، وقد يغلب عليها كفارٌ فجار، يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا، ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق،