للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)[البقرة: ٣٤].

والله ﷿ لما خلق خلقَه بأطواره وأصنافه، وسبق في حكمه وحكمته تفضيل آدم وذريته على كثير ممن خلق تفضيلًا، جعل عبوديتهم أفضل وأكمل من عبودية غيرهم، فكانت العبودية أفضل أحوالهم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)[الإسراء: ٧٠]

ولما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم، وأحبها إلى الله، وكان لها لوازم وأسباب مشروطة، لا تحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دارٍ تجري عليهم فيها أحكام العبودية وموجباتها، فكان إخراجهم من الجنة تكميلًا لهم، وإتمامًا لنعمة الله عليهم، مع ما في ذلك من تحقيق محبوبات الرب تعالى، فإنه سبحانه يحب إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، ومغفرة الزلات، وتكفير السيئات، ودفع البليات وإعزاز من يستحق العز، وإذلال من يستحق الذل، ونصر المظلوم، وجبر الكسير، ورفع خلقه على بعض، وجعلهم درجات، ليعرفوا قدر فضله وتخصيصه من شاء من عباده.

فاقتضى ملكه التام، وحمده الكامل، أن يخرجهم إلى دار تحصل فيها تلك المحبوبات، وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها كالذنب الذي يصلح بعده الاستغفار، والتوبة التي يحبها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)[الأنعام: ٨٣].

لقد أستخلف الله آدم وذريته في الأرض لعمارتها وإصلاحها، واستخدام الكنوز والطاقات المودعة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة

<<  <  ج: ص:  >  >>