عَلَى الدِّيَةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الدِّيَةُ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ مَا فِي الْبَدَنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَدَ بِإِيجَابِ خَمْسٍ فِي كُلِّ سِنٍّ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ.
[مَسْأَلَة فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ]
(٦٨٩٨) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الْعَيْنَيْنِ، إذَا أُصِيبَتَا خَطَأً، الدِّيَةَ، وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» . وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ مِنْهُمَا إلَّا شَيْئَانِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي كَذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي " مُوَطَّئِهِ ". وَلِأَنَّ الْعَيْنَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ الْجَوَارِحِ نَفْعًا وَجَمَالًا؛ فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا كَالْيَدَيْنِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا كَبِيرَتَيْنِ أَوْ صَغِيرَتَيْنِ، أَوْ مَلِيحَتَيْنِ أَوْ قَبِيحَتَيْنِ، أَوْ صَحِيحَتَيْنِ أَوْ مَرِيضَتَيْنِ، أَوْ حَوْلَاوَيْنِ أَوْ رَمِصَتَيْنِ. فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا بَيَاضٌ لَا يَنْقُصُ الْبَصَرَ، لَمْ تَنْقُصْ الدِّيَةُ، وَإِنْ نَقَصَ الْبَصَرَ نَقَصَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ.
وَفِي ذَهَابِ الْبَصَرِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِذَهَابِهِمَا، وَجَبَتْ بِإِذْهَابِ نَفْعِهِمَا، كَالْيَدَيْنِ إذَا أَشَلَّهُمَا. وَفِي ذَهَاب بَصَرِ أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدًا وَاحِدَةً، وَلَيْسَ فِي إذْهَابِهِمَا بِنَفْعِهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ، كَالْيَدَيْنِ.
[فَصْلٌ جَنَى عَلَى رَأْسِهِ جِنَايَةً ذَهَبَ بِهَا بَصَرُهُ]
(٦٨٩٩) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى عَلَى رَأْسِهِ جِنَايَةً ذَهَبَ بِهَا بَصَرُهُ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهَا، فَدَاوَاهَا، فَذَهَبَ بِالْمُدَاوَاةِ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ. وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ، رُجِعَ إلَى اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، لَمُشَاهَدَتِهِمَا الْعَيْنَ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْبَصَرِ، وَمَعْرِفَةً بِحَالِهَا، بِخِلَافِ السَّمْعِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، أَوْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، اُعْتُبِرَ بِأَنْ يُوقَفَ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، وَيُقَرَّبَ الشَّيْءُ مِنْ عَيْنِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ؛ فَإِنْ طَرَفَ عَيْنَهُ، وَخَافَ مِنْ الَّذِي يُخَوَّفُ بِهِ، فَهُوَ كَاذِبٌ، وَإِلَّا حُكِمَ لَهُ. وَإِذَا عُلِمَ ذَهَابُ بَصَرِهِ، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: لَا يُرْجَى عَوْدُهُ. وَجَبَتْ الدِّيَةُ.
وَإِنْ قَالُوا: يُرْجَى عَوْدُهُ إلَى مُدَّةٍ عَيَّنُوهَا، اُنْتُظِرَ إلَيْهَا، وَلَمْ يُعْطَ الدِّيَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، فَإِنْ عَادَ الْبَصَرُ، سَقَطَتْ عَنْ الْجَانِي، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ، اسْتَقَرَّتْ الدِّيَةُ. وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَوْدِ، اسْتَقَرَّتْ الدِّيَةُ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا. فَإِنْ ادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ بَصَرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَأَنْكَرَ وَارِثُهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ. وَإِنْ جَاءَ أَجْنَبِيٌّ، فَقَلَعَ عَيْنَهُ فِي الْمُدَّةِ، اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْأَوَّلِ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْبَصَرَ فَلَمْ يَعُدْ، وَعَلَى الثَّانِي حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ عَيْنًا لَا ضَوْءَ لَهَا، يُرْجَى عَوْدُهَا. وَإِنْ قَالَ الْأَوَّلُ: عَادَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.