كُنْت مِنْ سَبْيِ قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ، فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْت فِي مَنْ لَمْ يُنْبِتْ» . أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبْنَاءُ قُرَيْظَةَ، أَنَّهُمْ عُرِضُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُحْتَلِمًا أَوْ نَبَتَتْ عَانَتُهُ قُتِلَ، وَمَنْ لَا، تُرِكَ.» أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ. وَعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْتُبُ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، أَنْ لَا يَقْتُلُوا إلَّا مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، وَلَا يَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ إلَّا مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّ هَذَا بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ فِي الِاحْتِلَامِ، وَعَدَدِ السِّنِينَ، وَلَيْسَ بِعَلَامَةٍ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ؛ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِيهِمْ. وَلَنَا، قَوْلُ أَبِي نَضْرَةَ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، حِينَ اُخْتُلِفَ فِي بُلُوغِ تَمِيمِ بْنِ فَرْعٍ الْمَهْرِيِّ: اُنْظُرُوا، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْعَرَ، فَاقْسِمُوا لَهُ. فَنَظَرَ إلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَنْبَتَ، فَقَسَمُوا لَهُ. وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُ هَذَا، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ كَالْعَلَمَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يُلَازِمُ الْبُلُوغَ غَالِبًا، فَكَانَ عَلَمًا عَلَيْهِ، كَالِاحْتِلَامِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَتَعَذَّرُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ مَعْرِفَةُ الِاحْتِلَامِ وَالسِّنِّ. قُلْنَا: لَا تَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ السِّنِّ فِي الذِّمِّيِّ النَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَعَذُّرُ الْمَعْرِفَةِ لَا يُوجِبُ جَعْلَ مَا لَيْسَ بِعَلَامَةٍ، كَغَيْرِ الْإِنْبَاتِ. الثَّالِثُ، بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِمَا
رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْقِتَالِ، وَعُرِضْت عَلَيْهِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجَازَنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ.» قَالَ نَافِعٌ: فَحَدَّثْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا فَصْلُ مَا بَيْنَ الرِّجَالِ وَبَيْنَ الْغِلْمَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثَّلَاثُ فِي حَقِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَتَزِيدُ الْأُنْثَى بِعَلَامَتَيْنِ؛ الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ، فَمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ عَلَامَةٌ مِنْهُنَّ، فَهُوَ صَبِيٌّ يَحْرُمُ قَتْلُهُ.
[فَصْلٌ لَا تُقْتَلُ امْرَأَةٌ وَلَا شَيْخٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
(٧٦١١) فَصْلٌ: وَلَا تُقْتَلُ امْرَأَةٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ. وَبِذَلِكَ قَالَ وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمُجَاهِدٍ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة: ١٩٠] . يَقُولُ: لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: ٥] . وَهَذَا عَامٌّ يَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ الشُّيُوخَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْرِفُ حُجَّةً فِي تَرْكِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.