مِنَ الْخَصَائِصِ فِي خِفَّةِ عِظَامِهَا وَقُوَّةِ حَرَكَةِ الْجَوَانِحِ وَمَا جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ الْقَوَادِمِ، وَهِيَ رِيشَاتٌ عَشْرٌ هِيَ مَقَادِيمُ رِيشِ الْجنَاح، وَمن الْخَوَافِي وَهِيَ مَا دُونَهَا مِنَ الْجَنَاحِ إِلَى مُنْتَهَى رِيشِهِ، وَمَا خَلَقَهُ مِنْ شَكْلِ أَجْسَادِهَا الْمُعِينِ عَلَى نُفُوذِهَا فِي الْهَوَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ إِيَّاهَا مَانِعًا لَهَا مِنَ السُّقُوطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعَالِيقَ يُعَلِّقُهَا بِهَا أَحَدٌ كَمَا يُعَلِّقُ الْمُشَعْوِذُ بَعْضَ الصُّوَرِ بِخُيُوطٍ دَقِيقَةٍ لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِينَ.
وَإِيثَارُ اسْمِ الرَّحْمنُ هُنَا دُونَ الْاسْمِ الْعَلَمِ بِخِلَافِ مَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ [٧٩] أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ لَعَلَّهُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فِي خِطَابِهِمْ بِطَرِيقَةِ الْإِطْنَابِ مِنْ قَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ الْآيَةَ.
فَمِنْ جُمْلَةِ عِنَادِهِمْ إِنْكَارُهُمُ اسْمَ الرَّحْمنُ فَلَمَّا لَمْ يَرْعَوَوْا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ ذُكِرَ وَصْفُ الرَّحْمنُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ أَي
أمسكهن الرحمان لِعُمُومِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلَا يُمْسِكُهُنَّ غَيْرُهُ لِقُصُورِ عِلْمِهِمْ أَوِ انْتِفَائِهِ.
وَالْبَصِيرُ: الْعَلِيمُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَصِيرَةِ، فَهُوَ هُنَا غَيْرُ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِي نَحْوِ: السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَإِنَّمَا هُوَ هُنَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ بَصِيرٌ بِالْأُمُورِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [غَافِر: ٤٤] ، فَهُوَ خَبَرٌ لَا وَصْفٌ وَلَا مُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْاسْمِ. وَتَقْدِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى مُتَعَلَّقِهِ لِإِفَادَةِ الْقَصْرِ الْإِضَافِيِّ وَهُوَ قَصْرُ قَلَبٍ رَدًّا عَلَى مَنْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ كَالَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [الْملك:
١٣] .
[٢٠]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢٠]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠)
(أَمْ) مُنْقَطِعَة وَهِي للإضراب الْانْتِقَالِيِّ مِنْ غَرَضٍ إِلَى غَرَضٍ فَبَعْدَ اسْتِيفَاءِ غَرَضِ إِثْبَاتِ الْإِلِهِيَّةِ الْحَقِّ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَتَذْكِيرِهِمْ بِأَنَّهُمْ مُفْتَقِرُونَ إِلَيْهِ، انْتَقَلَ إِلَى إِبْطَالِ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَوُجِّهَ إِلَيْهِمُ اسْتِفْهَامٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.