وَقَوْلُهُ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النِّسَاء: ٢٤] ، أَيْ فَهُمْ يَفْرِضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ أَنَّ السَّعَادَةَ فِي النُّفُورِ مِنْ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ وَيَفْرِضُونَ ذَلِكَ عَلَى الدَّهْمَاءِ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ.
وَمَجِيءُ جُمْلَةِ فَهُمْ يَكْتُبُونَ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْ جُمْلَةِ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا فِي الْغَيْبِ مَفْرُوضٌ كَوْنِهِ شَاهِدًا عَلَى حُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الْقَلَم: ٣٦] كَمَا عَلمته آنِفا.
[٤٨- ٥٠]
[سُورَة الْقَلَم (٦٨) : الْآيَات ٤٨ إِلَى ٥٠]
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)
تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِبْطَالِ مَزَاعِمِ الْمُشْرِكِينَ وَمَطَاعِنِهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا تَبِعَهُ مِنْ تَكَفُّلِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَاقِبَةِ النَّصْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ شِدَّتَهُ عَلَى نَفْسِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُدْخِلَ عَلَيْهِ يَأْسًا مِنْ حُصُولِ رَغْبَتِهِ وَنَجَاحِ سَعْيِهِ، فَفَرَّعَ عَلَيْهِ تَثْبِيتَهُ وَحَثَّهُ عَلَى الْمُصَابَرَةِ وَاسْتِمْرَارَهُ عَلَى الْهَدْيِ، وَتَعْرِيفَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ التَّثْبِيتَ يَرْفَعُ دَرَجَتَهُ فِي مَقَامِ الرِّسَالَةِ لِيَكُونَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ، فَذَكَّرَهُ بِمَثَلِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذِ اسْتَعْجَلَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، فَأَدَّبَهُ اللَّهُ ثُمَّ اجْتَبَاهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ تَذْكِيرًا مُرَادًا بِهِ التَّحْذِيرُ.
وَالْمُرَادُ بِحُكْمِ الرَّبِّ هُنَا أَمَرُهُ وَهُوَ مَا حَمَّلَهُ إِيَّاهُ مِنَ الْإِرْسَالِ وَالْاضْطِلَاعِ بِأَعْبَاءِ الدَّعْوَةِ. وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الْمُسْتَقْرَأُ مِنْ آيَاتِ الْأَمْرِ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي أَوَّلِهَا يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ إِلَى قَوْلِهِ: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: ١- ٧] فَهَذَا هُوَ الصَّبْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا. وَلَا جَرَمَ أَنَّ الصَّبْرَ لِذَلِكَ يَسْتَدْعِي انْتِظَارَ الْوَعْدِ بِالنَّصْرِ وَعَدَمَ الضَّجَرِ مِنْ تَأَخُّرِهِ إِلَى
أَمَدِهِ الْمُقَدَّرِ فِي عِلْمِ اللَّهِ.
وَصَاحِبُ الْحُوتِ: هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ إِلَى قَوْلِهِ: وَيُونُسَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٨٤- ٨٦] .
وَالصَّاحِبُ: الَّذِي يَصْحَبُ غَيْرَهُ، أَيْ يَكُونُ مَعَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْ فِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.