مِنْ مُشْرِكَةٍ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَمْلُوكُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحُرَّ الْمُشْرِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمُشْرِكَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ، إِذْ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِالْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً لِصَلُوحِيَّتِهِ لِلْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ، وَالْوَاوُ فِي يَدْعُونَ وَاوُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ وَوَزْنُهُ يَفْعُونَ، وَغُلِّبَ فِيهِ الْمُذَكَّرُ عَلَى الْمُؤَنَّثِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ وَإِنْكَاحِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَعْنَى الدُّعَاءِ إِلَى النَّارِ الدُّعَاءُ إِلَى أَسْبَابِهَا فَإِسْنَادُ الدُّعَاءِ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَلَفْظُ النَّارِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ أُطْلِقَ عَلَى أَسْبَابِ الدُّخُولِ إِلَى النَّارِ فَإِنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ يَجُرُّ إِلَى النَّارِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَلَمَّا كَانَتْ رَابِطَةُ النِّكَاحِ رَابِطَةَ اتِّصَالٍ وَمُعَاشَرَةٍ نَهَى عَنْ وُقُوعِهَا مَعَ مَنْ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ خَشْيَةَ أَنْ تُؤَثِّرَ تِلْكَ الدَّعْوَةُ فِي النَّفْسِ، فَإِنَّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَوَدَّةً وَإِلْفًا يَبْعَثَانِ عَلَى إِرْضَاءِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَدِيدَةً لِأَنَّهُمْ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ، كَانَ الْبَوْنُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ بَعِيدًا جِدًّا لَا يَجْمَعُهُمْ شَيْءٌ يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُبِحِ اللَّهُ مُخَالَطَتَهُمْ بِالتَّزَوُّجِ مِنْ كِلَا الْجَانِبَيْنِ. أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
الْمُسْلِمِينَ اعْتِقَادُ وُجُودِ اللَّهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْخَلْقِ وَالْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّصَارَى الِاعْتِقَادُ بِبُنُوَّةِ عِيسَى وَالْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِ الْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقُ عِيسَى، فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْكِتَابِيَّةَ وَلم يبح تزوج الْمُسْلِمَةِ مِنَ الْكِتَابِيِّ اعْتِدَادًا بِقُوَّةِ تَأْثِيرِ الرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَالْمُسْلِمُ يُؤْمِنُ بِأَنْبِيَاءِ الْكِتَابِيَّةِ وَبِصِحَّةِ دِينِهَا قَبْلَ النَّسْخِ فَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَالِبًا إِيَّاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِنْهُ جَانِبًا وَأَمَّا الْكَافِرُ فَهُوَ لَا يُؤْمِنُ بِدِينِ الْمُسْلِمَةِ وَلَا بِرَسُولِهَا فَيُوشِكُ أَنْ يَجُرَّهَا إِلَى دِينِهِ، لِذَلِكَ السَّبَبِ وَهَذَا كَانَ يُجِيبُ بِهِ شَيْخُنَا الْأُسْتَاذُ سَالِمٌ أَبُو حَاجِبٍ عَنْ وَجْهِ إِبَاحَةِ تَزَوُّجِ الْكِتَابِيَّةِ وَمَنْعِ تَزَوُّجِ الْكِتَابِيِّ الْمُسْلِمَةَ.
وَقَوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ الْآيَةَ أَيْ إِنَّ اللَّهَ يَدْعُو بِهَذَا الدِّينِ إِلَى الْجَنَّةِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ دَعْوَةُ الْمُشْرِكِينَ مُضَادَّةً لِدَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا تَفْظِيعُ دَعْوَتِهِمْ وَأَنَّهَا خِلَافُ دَعْوَةِ اللَّهِ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ دُعَاءٌ لِأَسْبَابِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ. وَالْمَغْفِرَةُ هُنَا مَغْفِرَةُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.
وَقَوْلُهُ: بِإِذْنِهِ الْإِذْنُ فِيهِ إِمَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ فَيَكُونُ بِإِذْنِهِ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حَالًا مِنْ (الْجَنَّةِ) وَالْمَغْفِرَةِ أَيْ حَاصِلَتَيْنِ بِإِذْنِهِ أَيْ إِرَادَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ بِمَا بَيَّنَ مَنْ طَرِيقِهِمَا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.