وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ إِجَابَةَ دُعَاءِ الدَّاعِي تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْتِزَامَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَفِي كُلِّ زَمَانٍ، لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ فَيُفِيدُ التَّلَازُمَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا رَبْطُ الْجَوَابِ بالسؤال وَلَيْسَ ربط لِلدُّعَاءِ بِالْإِجَابَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إِنْ دَعُونِي أَجَبْتُهُمْ.
وَقَوْلُهُ: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي تَفْرِيعٌ عَلَى أُجِيبُ أَيْ إِذَا كُنْتُ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي فَلْيُجِيبُوا أَوَامِرِي، وَاسْتَجَابَ وَأَجَابَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَأَصْلُ أَجَابَ وَاسْتَجَابَ أَنَّهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الْمُنَادِي بِالْقُدُومِ، أَوْ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْحُضُورِ نَحْوَ (لَبَّيْكَ) ، ثُمَّ أُطْلِقَ مَجَازًا مَشْهُورًا عَلَى تَحْقِيقِ مَا يَطْلُبُهُ الطَّالِبُ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِتَحْقِيقِهِ يَقْطَعُ مَسْأَلَتَهُ فَكَأَنَّهُ أَجَابَ نِدَاءَهُ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِجَابَةِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ فَيَكُونَ وَلْيُؤْمِنُوا بِي عَطْفًا مُغَايِرًا وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ الْفِعْلُ وَمِنَ الْأَمْرِ الثَّانِي الدَّوَامُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْتِجَابَةِ مَا يَشْمَلُ اسْتِجَابَةَ دَعْوَةِ الْإِيمَانِ، فَذِكْرُ وَلْيُؤْمِنُوا عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مِثْلِهِ. وَالرُّشْدُ إِصَابَةُ الْحَقِّ وَفِعْلُهُ كَنَصَرَ وَفَرِحَ وَضَرَبَ، وَالْأَشْهَرُ الْأَوَّلُ.
[١٨٧]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٨٧]
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
انْتِقَالٌ فِي أَحْكَامِ الصِّيَامِ إِلَى بَيَانِ أَعْمَالٍ فِي بَعْضِ أَزْمِنَةِ رَمَضَانَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا تُنَافِي عِبَادَةَ الصِّيَامِ، وَلِأَجْلِ هَذَا الِانْتِقَالِ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ عَنِ الْجُمَلِ السَّابِقَةِ.
وَذَكَرُوا لِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَلَامًا مُضْطَرِبًا غَيْرَ مُبِينٍ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ وَسَهِرَ بَعْدَهَا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يُبَاشِرْ أَهْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَاءَ عُمَرُ يُرِيدُ امْرَأَتَهُ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ نِمْتُ فَظَنَّ أَنَّهَا تَعْتَلُّ فَبَاشَرَهَا» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.