كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ. عَلَى أَنَّ الْقَلَائِدَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، إِذْ كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَتَّخِذُونَ مِنَ الْقَلَائِدِ نِعَالًا لِفُقَرَائِهِمْ، كَمَا كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِجِلَالِ الْبَدَنِ، وَهِيَ شُقَقٌ مِنْ ثِيَابٍ تُوضَعُ عَلَى كِفْلِ الْبَدَنَةِ فَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا قُمُصًا لَهُمْ وَأُزُرًا، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّهْيُ عَنْ إِحْلَالِهَا كَالنَّهْيِ عَنْ إِحْلَالِ الْهَدْيِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْطِيلَ مَصَالِحِ سُكَّانِ الْحَرَمِ الَّذِينَ اسْتَجَابَ اللَّهُ فِيهِمْ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ:
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [إِبْرَاهِيم: ٣٧] قَالَ تَعَالَى:
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ [الْمَائِدَة: ٩٧] .
وَقَوْلُهُ: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ عَطْفٌ عَلَى شَعائِرَ اللَّهِ: أَيْ وَلَا تَحِلُّوا قَاصِدِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَهُمُ الْحُجَّاجُ، فَالْمُرَادُ قَاصِدُوهُ لِحَجَّةٍ، لِأَنَّ الْبَيْتَ لَا يُقْصَدُ إِلَّا لِلْحَجِّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وَلَا آمِّينَ مَكَّةَ، لِأَنَّ مَنْ قَصَدَ مَكَّةَ قَدْ يَقْصِدُهَا لِتُجْرٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ حُرْمَةِ الْبَيْتِ حُرْمَةَ قَاصِدِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ آمِّينَ الْبَيْتَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ آمِّينَ الْبَيْتَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُحَرَّمٌ أَذَاهُمْ فِي حَالَةِ قَصْدِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ. وَقَدْ
رُوِيَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ: وَهُوَ أَنَّ خَيْلًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَقَائِدُهُمْ شُرَيْحُ بْنُ ضُبَيْعَةَ الْمُلَقَّبُ بِالْحُطَمِ (بِوَزْنِ زُفَرَ) ، وَالْمُكَنَّى أَيْضًا بِابْنِ هِنْدٍ. نِسْبَةً إِلَى أُمِّهِ هِنْدِ بِنْتِ حَسَّانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَرْثَدٍ، وَكَانَ الْحُطَمُ هَذَا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ نُزَلَاءِ الْيَمَامَةِ، فَتَرَكَ خَيْلَهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَدَخَلَ إِلَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِلَامَ تَدْعُو» فَقَالَ رَسُولُ الله: «إِلَى شهاد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» . فَقَالَ: «حَسَنٌ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَسَأَنْظُرُ وَلَعَلِّي أَنْ أُسْلِمَ وَأَرَى فِي أَمْرِكَ غِلْظَةً وَلِي مِنْ وَرَائِي مَنْ لَا أَقْطَعُ أَمْرًا دُونَهُمْ»
وَخَرَجَ فَمَرَّ بِسَرْحِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَاقَ إِبِلًا كَثِيرَةً وَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا أُعْلِمُوا بِهِ فَلَمْ يَلْحَقُوهُ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ رَجَزًا، وَقِيلَ: الرَّجَزُ لِأَحَدِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ رُشَيْدُ بْنُ رُمَيْضٍ الْعَنَزِيُّ وَهُوَ:
هَذَا أَوَانُ الشَّدِّ فَاشْتَدِّي زِيَمْ قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.