صِفَةٌ لِاسْمِ الشَّرْطِ، أَيْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا. وَفَائِدَةُ إِيرَادِ قَوْلِهِ مِنْكُمْ أَعْرَضَ عَنْ بَيَانِهَا الْمُفَسِّرُونَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ إِيرَادِ هَذَا الْوَصْفِ التَّنْبِيهُ عَلَى إِبْطَالِ فِعْلِ أَهْلِ
الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ مِنْهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَهُ وَيَسْلُبُونَهُ ثِيَابَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَتَعْلِيقُ حُكْمِ الْجَزَاءِ عَلَى وُقُوعِ الْقَتْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ، فَأَمَّا لَوْ جَرَحَهُ أَوْ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا وَلَمْ يَقْتُلْهُ فَلَيْسَ فِيهِ جَزَاءٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ سَوَاءٌ أَكَلَ الْقَاتِلُ الصَّيْدَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْهُ لِأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ هُوَ الْقَتْلُ.
وَقَوله مُتَعَمِّداً قيد أَخْرَجَ الْمُخْطِئَ، أَيْ فِي صَيْدِهِ. وَلَمْ تُبَيِّنْ لَهُ الْآيَةُ حُكْمًا لَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ لَا يَكُونُ أَشَدَّ مِنَ الْمُتَعَمِّدِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَزَاءٌ آخَرُ أَخَفُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ. قَالَ الزُّهْرِيِّ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالْعَمْدِ وَجَرَتِ السُّنَّةُ فِي النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ أَنَّهُمَا يُكَفِّرَانِ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الْعَمَلَ مِنْ عَهْدِ النُّبُوءَةِ وَالْخُلَفَاءِ وَمَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ عَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: إِنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَقَدْ غَلَّبَ مَالِكٌ فِيهِ مَعْنَى الْغُرْمِ، أَيْ قَاسَهُ عَلَى الْغُرْمِ. وَالْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي الْغُرْمِ سَوَاءٌ فَلِذَلِكَ سَوَّى بَيْنَهُمَا. وَمَضَى بِذَلِكَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ من الْمَالِكِيَّة، وداوود الظَّاهِرِيُّ، وَابْن جُبَير وطاووس، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ: لَا شَيْءَ عَلَى النَّاسِي. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا لِلْقَتْلِ نَاسِيًا إِحْرَامَهُ فَهُوَ مَوْرِدُ الْآيَةِ، فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ. وَأَمَّا الْمُتَعَمِّدُ لِلْقَتْلِ وَهُوَ ذَاكر لإحرامه فَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ وَقَدْ بَطُلَ حَجُّهُ، وَصَيْدُهُ جِيفَةٌ لَا يُؤْكَلُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.