وَقَوْلُهُ: وَهُمْ مُهْتَدُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَهُمُ الْأَمْنُ عَطْفُ جُزْءِ جُمْلَةٍ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ فِي حُكْمِ الْمُفْرَدِ، فَيَكُونُ مُهْتَدُونَ خَبَرًا ثَانِيًا عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ عَلَى إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَكَرِّرَةِ.
وَالضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ لِيُفِيدَ قَصْرَ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، أَيِ الِاهْتِدَاءُ مَقْصُورٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ دُونَ غَيْرِهِمْ، أَيْ أَنَّ غَيْرَهُمْ لَيْسُوا بِمُهْتَدِينَ، عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْبَقَرَة: ٥٥] وَقَوْلِهِ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [التَّوْبَة: ١٠٤] . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُمْ لَمَّا نَبَذُوا الشِّرْكَ فَقَدِ اهْتَدَوْا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَهُمْ مُهْتَدُونَ جُمْلَةً، بِأَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ مُبْتَدَأً ومُهْتَدُونَ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ، فَيَكُونُ خَبَرًا ثَانِيًا عَنِ اسْمِ الْمَوْصُولِ، وَيَكُونُ ذِكْرُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ لِأَجْلِ حُسْنِ الْعَطْفِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ مُفْرَدٌ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، إِذْ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ:
أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ومهتدون فَصِيَغُ الْمَعْطُوفِ فِي صُورَةِ الْجُمْلَةِ. وَحِينَئِذٍ فَالضَّمِيرُ لَا يُفِيدُ اخْتِصَاصًا إِذْ لَمْ يُؤْتَ بِهِ لِلْفَصْلِ، وَهَذَا النَّظْمُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التغابن: ١] وَقَوْلِهِ: تَعَالَى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الْحَدِيد: ٢] عَلَى اعْتِبَارِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَطْفًا عَلَى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا حَالٌ، وَهَذَا مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْوَصْلِ كَمَا عُرِفَ فِي الْبَلَاغَةِ، وَهُوَ مِنْ بَدَائِعِ نَظْمِ الْكَلَام الْعَرَبِيّ.
[٨٣]
[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٨٣]
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ [الْأَنْعَام: ٨٠] . وتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فِي مُحَاجَّةِ قَوْمِهِ، وَأُتِيَ بِاسْمِ إِشَارَةِ الْمُؤَنَّثِ لِأَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ حُجَّةٌ فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِحُجَّةٍ فَلَمَّا لم يكن ثمّة مُشَارٌ إِلَيْهِ مَحْسُوسٌ تَعَيَّنَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْإِشَارَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ لَا غَيْرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.