وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَزَلِ الْحُكَمَاءُ الْأَقْدَمُونَ يَبْذُلُونَ الْجُهْدَ فِي إِيجَادِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي وَصَفَهَا (أَفْلَاطُونَ) فِي «كِتَابِهِ» ، وَالَّتِي كَادَت أَن تتحقّق صِفَاتَهَا فِي مَدِينَةِ (أَثِينَةَ) فِي زَمَنِ جُمْهُورِيَّتِهَا، وَلَكِنَّهَا مَا تَحَقَّقَتْ بِحَقٍّ إِلَّا فِي مَدِينَة الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَانِهِ وَزَمَانِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِيهَا.
وَقَدْ نَبَّهَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
[الْإِسْرَاء: ١٦] عَلَى قِرَاءَةِ تَشْدِيد مِيم: دمرنا.
وَالْأَظْهَرُ فِي نَظْمِ الْآيَةِ: أَنَّ جَعَلْنا بِمَعْنَى خَلَقْنَا وَأَوْجَدْنَا، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الْأَنْعَام: ١] فَمَفْعُولُهُ: أَكابِرَ مُجْرِمِيها.
وَقَوْلُهُ: فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ظَرْفٌ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِ جَعَلْنا وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَ أَنَّهُ دُونَهُ فِي التَّعَلُّقِ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ جَمِيعِ الْقُرَى هُوَ الْأَهَمُّ فِي هَذَا الْخَبَرِ، لِيَعْلَمَ أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّ حَالَهُمْ جَرَى عَلَى سُنَنِ أَهْلِ الْقُرَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهَا.
وَفِي قَوْلِهِ: أَكابِرَ مُجْرِمِيها إِيجَازٌ لِأَنَّهُ أَغْنَى عَنْ أَنْ يَقُولَ جَعْلَنَا مُجْرِمِينَ وَأَكَابِرَ لَهُمْ وَأَنَّ أَوْلِيَاءَ الشَّيَاطِينِ أَكَابِرُ مُجْرِمِي أَهْلِ مَكَّةَ، وَقَوْلِهِ: لِيَمْكُرُوا مُتَعَلِّقٌ بِ جَعَلْنا أَيْ لِيَحْصُلَ الْمَكْرُ، وَفِيهِ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَكْرَهُمْ لَيْسَ بِعَظِيمِ الشَّأْنِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلْنا بِمَعْنَى صَيَّرْنَا فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ هُمَا: أَكابِرَ مُجْرِمِيها عَلَى أَنَّ مُجْرِمِيها الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وأَكابِرَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، أَيْ جَعَلْنَا مُجْرِمِيهَا أَكَابِرَ، وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ الثَّانِيَ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِغَرَابَةِ شَأْنِهِ، لِأَنَّ مَصِيرَ الْمُجْرِمِينَ أَكَابِرَ وَسَادَةً أَمْرٌ عَجِيبٌ، إِذْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِلسُّؤْدُدِ، كَمَا قَالَ طُفَيْلٌ الْغَنَوِيُّ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.