وَلِقَصْدِ تَسْلِيَة الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنَ الرُّسُلِ فِي تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إِيَّاهُ وَمَكْرِهِمْ بِهِ وَوَعْدِهِ بِالنَّصْرِ.
وَقَوْلُهُ: أَكابِرَ مُجْرِمِيها أَكَابِرُ جَمْعُ أَكْبَرَ. وَأَكْبَرُ اسْمٌ لِعَظِيمِ الْقَوْمِ وَسَيِّدِهِمْ، يُقَالُ:
وَرِثُوا الْمَجْدَ أَكْبَرَ أَكْبَرَ، فَلَيْسَتْ صِيغَةُ أَفْعَلَ فِيهِ مُفِيدَةَ الزِّيَادَةِ فِي الْكِبَرِ لَا فِي السِّنِّ وَلَا فِي الْجِسْمِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ غَيْرِ الْمُشْتَقِّ، وَلِذَلِكَ جُمِعَ إِذَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ جَمْعٍ أَوْ وُصِفَ بِهِ الْجَمْعُ وَلَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ لَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَلْزَمَ الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَ. وَجُمِعَ عَلَى أَكَابِرَ، يُقَالُ: مُلُوكُ أَكَابِرَ، فَوَزْنُ أَكَابِرَ فِي الْجَمْعِ فَعَالِلُ مِثْلُ أَفَاضِلَ جَمْعُ أَفْضَلَ، وَأَيَامِنَ وَأَشَائِمَ جَمْعُ أَيْمَنَ وَأَشْأَمَ لِلطَّيْرِ السَّوَانِحِ فِي عُرْفِ أَهْلِ الزَّجْرِ وَالْعِيَافَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اصْطِلَاحَ النُّحَاةِ فِي مَوَازِينِ الْجُمُوعِ فِي بَابِ التَّكْسِيرِ وَفِي بَابِ مَا لَا يَنْصَرِفُ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى صُورَةِ الْكَلِمَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ وَالزَّائِدَةِ بِخِلَافِ اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الصَّرْفِ فِي بَابِ الْمُجَرَّدِ وَالْمَزِيدِ. فَهَمْزَةٌ أَكْبَرَ تُعْتَبَرُ فِي الْجَمْعِ كَالْأَصْلِيِّ وَهِيَ مَزِيدَةٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: أَكابِرَ مُجْرِمِيها إِيجَازٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِينَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَكَابِرَ فَلَمَّا كَانَ وُجُودُ أَكَابِرَ يَقْتَضِي وُجُودَ مَنْ دُونَهُمُ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ أَكَابِرَ الْمُجْرِمِينَ.
وَالْمَكْرُ: إِيقَاعُ الضُّرِّ بِالْغَيْرِ خُفْيَةً وَتَحَيُّلًا، وَهُوَ مِنَ الْخِدَاعِ وَمِنَ الْمَذَامِّ، وَلَا يُغْتَفَرُ إِلَّا فِي الْحَرْبِ، وَيُغْتَفَرُ فِي السِّيَاسَةِ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ اتِّقَاءُ الضُّرِّ إِلَّا بِهِ، وَأَمَّا إِسْنَادُهُ إِلَى اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمرَان: ٥٤] فَهُوَ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ قبله وَمَكَرُوا [آل عمرَان: ٥٤] ، أَيْ مَكَرُوا بِأَهْلِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْمَكْرِ هُنَا تَحَيُّلُ زُعَمَاءِ
الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّاسِ فِي صَرْفِهِمْ عَن النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَن مُتَابَعَةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا جَلَسُوا عَلَى كُلِّ عَقَبَةٍ يُنَفِّرُونَ النَّاسَ عَنِ اتّباع النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.