فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٦] فَإِنَّ التَّعَدُّدَ مَقْصُودٌ بِقَرِينَةِ وَصْفِهِ بِثَلَاثٍ. وَلَكِنَّ بَلَاغَةَ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا تَسْمَحُ بِاسْتِعْمَالِ جَمْعٍ غَيْرِ مُرَادٍ بِهِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى لَفْظِهِ الْمُفْرَدِ، وَيَتَعَيَّنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ جَمْعَ (ظُلُمَاتٍ) أُشِيرَ بِهِ إِلَى أَحْوَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ كُلُّ حَالَةٍ مِنْهَا تَصْلُحُ لِأَنْ تُشَبَّهَ بِالظُّلْمَةِ وَتِلْكَ هِيَ حَالَةُ الْكُفْرِ، وَحَالَةُ الْكَذِبِ، وَحَالَةُ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَمَا يَتْبَعُ تِلْكَ الْأَحْوَالَ مِنْ آثَارِ النِّفَاقِ.
وَهَذَا التَّمْثِيلُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ مَظَاهِرِ الْإِيمَانِ وَبَوَاطِنِ الْكُفْرِ فَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ ظُهُورُ أَمْرٍ نَافِعٍ ثُمَّ انْعِدَامُهُ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَإِنَّ فِي إِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ صُورَةٌ مِنْ حُسْنِ الْإِيمَانِ وَبَشَاشَتِهِ لِأَنَّ لِلْإِسْلَامِ نُورًا وَبَرَكَةً ثُمَّ لَا يَلْبَثُونَ أَنْ يَرْجِعُوا عِنْدَ خُلُوِّهِمْ بِشَيَاطِينِهِمْ فَيَزُولُ عَنْهُمْ ذَلِكَ وَيَرْجِعُوا فِي ظُلْمَةِ الْكُفْرِ أَشَدَّ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي كُفْرٍ فَصَارُوا فِي كُفْرٍ وَكَذِبٍ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنِ النِّفَاقِ مِنَ الْمَذَامِّ، فَإِنَّ الَّذِي يَسْتَوْقِدُ النَّارَ فِي الظَّلَامِ يَتَطَلَّبُ رُؤْيَةَ الْأَشْيَاءِ فَإِذَا انْطَفَأَتِ النَّارُ صَارَ أَشَدَّ حَيْرَةً مِنْهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِأَنَّ ضَوْءَ النَّارِ قَدْ عَوَّدَ بَصَرَهُ فَيَظْهَرُ أَثَرُ الظُّلْمَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَقْوَى وَيَرْسَخُ الْكُفْرُ فِيهِمْ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ نُكْتَةُ الْبَيَانِ بِجُمْلَةِ: لَا يُبْصِرُونَ لِتَصْوِيرِ حَالِ مَنِ انْطَفَأَ نُورُهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ.
وَمَفْعُولُ لَا يُبْصِرُونَ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ عُمُومِ نفي المبصرات فتنزل الْفِعْلُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ وَلَا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا إِحْسَاسَ بَصَرٍ لَهُمْ، كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ:
شَجْوُ حُسَّادِهِ وَغَيْظُ عِدَاهُ ... أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعِ
وَقَدْ أُجْمِلَ وَجْهُ الشَّبَهِ فِي تَشْبِيهِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ اعْتِمَادًا عَلَى فِطْنَةِ السَّامِعِ لِأَنَّهُ يَمْخَضُهُ
مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ شَرْحِ حَالِهِمُ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [الْبَقَرَة: ٨] إِلَخْ وَمِمَّا يَتَضَمَّنُهُ الْمَثَلَانِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى وُجُوهِ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ أَجْزَاءِ أَحْوَالِهِمْ وَأَجْزَاءِ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا، فَإِنَّ إِظْهَارَهُمُ الْإِيمَانَ بِقَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَقَوْلِهِمْ: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ [الْبَقَرَة: ١١] وَقَوْلِهِمْ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُؤمنِينَ: آمَنَّا [الْبَقَرَة: ١٤] أَحْوَالٌ وَمَظَاهِرُ حَسَنَةٌ تَلُوحُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ حِينَمَا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِينَمَا يَتَظَاهَرُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَيَصْدُرُ مِنْهُمْ طَيِّبُ الْقَوْلِ وَقَوِيمُ السُّلُوكِ وَتُشْرِقُ عَلَيْهِمُ الْأَنْوَارُ النَّبَوِيَّةُ فَيَكَادُ نُورُ الْإِيمَانِ يَخْتَرِقُ إِلَى نُفُوسِهِمْ وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا يَعْقُبُ تِلْكَ الْحَالَةَ الطَّيِّبَةَ حَالَةٌ تُضَادُهَا عِنْدَ انْفِضَاضِهِمْ عَنْ تِلْكَ الْمَجَالِسِ الزَّكِيَّةِ وَخُلُوصِهِمْ إِلَى بِطَانَتِهِمْ مِنْ كُبَرَائِهِمْ أَوْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ فَتُعَاوِدُهُمُ الْأَحْوَالُ الذَّمِيمَةُُُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.