وَمَعْنَى كَوْنِهَا وَاحِدَةً أَنْ يَكُونَ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى اتِّبَاعِ دِينِ الْحَقِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، فَآلَ الْمَعْنَى إِلَى: لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً مِنْ حَيْثُ الدِّينِ الْخَالِصِ.
وَفُهِمَ مِنْ شَرْطِ (لَوْ) أَنَّ جَعْلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الدِّينِ مُنْتَفِيَةٌ، أَيْ مُنْتَفٍ دَوَامُهَا عَلَى الْوَحْدَةِ فِي الدِّينِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ وُجِدُوا فِي أَوَّلِ النَّشْأَةِ مُتَّفِقِينَ فَلَمْ يَلْبَثُوا حَتَّى طَرَأَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ ابْنَيْ آدَمَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [الْبَقَرَة: ٢١٣] وَقَوْلِهِ: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فِي سُورَةِ يُونُسَ [١٩] فَعُلِمَ أَنَّ النَّاسَ
قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا مَضَى فَلَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ لَا يدْرِي هَل يؤول أَمْرُهُمْ إِلَى الِاتِّفَاقِ فِي الدِّينِ فَأَعْقَبَ ذَلِكَ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ دَائِمٌ بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ.
وَلَمَّا أَشْعَرَ الِاخْتِلَافُ بِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ الْعُدُولَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ وَالِاخْتِلَافَ، عَقَّبَ عُمُومَ وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ بِاسْتِثْنَاءِ مَنْ ثَبَتُوا عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، أَيْ فَعَصَمَهُمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ.
وَفُهِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمَذْمُومَ الْمُحَذَّرَ مِنْهُ هُوَ الِاخْتِلَافُ فِي أُصُولِ الدِّينِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمُخَالِفِ خَارِجًا عَنِ الدِّينِ وَإِنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ مُتَّبِعِيهِ، فَإِذَا طَرَأَ هَذَا الِاخْتِلَافُ وَجَبَ عَلَى الْأُمَّةِ قَصْمُهُ وَبَذْلُ الْوُسْعِ فِي إِزَالَتِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ بِالْإِرْشَادِ وَالْمُجَادَلَةِ الْحَسَنَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يُنْجِعْ ذَلِكَ فَبِالْقِتَالِ كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَالِ الْعَرَبِ الَّذِينَ جَحَدُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ، وَكَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ- كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي قِتَالِ الْحُرَوْرِيِّةِ الَّذِينَ كَفَّرُوا الْمُسْلِمِينَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِنْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ.
وَأَمَّا تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ فَهُوَ تَأْكِيدٌ بِمَضْمُونِ وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ.
وَالْإِشَارَةُ إِلَى الِاخْتِلَافِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِ: مُخْتَلِفِينَ، وَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.