وَالسُّؤَالُ: مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّنْبِيهِ دُونَ طَلَبِ الْفَهْمِ، لِأَنَّ السَّائِلَ عَالِمٌ بِالْأَمْرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَإِنَّمَا يُرِيدُ السَّائِلُ حَثَّ الْمَسْئُولِ عَنْ عِلْمِ الْخَبَرِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ [سُورَة النبإ: ١] .
وَجُعِلَ السُّؤَالُ عَنِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ دُونَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ تَسْهِيلًا لِلْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهَا، لِأَنَّ ذِكْرَهَا مَعَ مَكَانَةِ زَوْجِهَا مِنَ الْمَلِكِ رُبَّمَا يَصْرِفُ الْمَلِكَ عَنِ الْكَشْفِ رَعْيًا لِلْعَزِيزِ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ الْمُتَّكَأِ شاع بَين النَّاس، وَأَصْبَحَتْ قَضِيَّةُ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَشْهُورَةً بِذَلِكَ الْيَوْمِ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ [سُورَة يُوسُف: ٣٥] ، وَلِأَنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ شَوَاهِدَ عَلَى إِقْرَار امْرَأَة العزيم بِأَنَّهَا رَاوَدَتْ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنْ نَفْسِهِ. فَلَا جَرَمَ كَانَ طَلَبُ الْكَشْفِ عَنْ أُولَئِكَ النِّسْوَةِ مُنْتَهَى الْحِكْمَةِ فِي الْبَحْثِ وَغَايَةِ الْإِيجَازِ فِي الْخِطَابِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ مِنْ كَلَامِ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-. وَهِيَ تَذْيِيلٌ وَتَعْرِيضٌ بِأَنَّ الْكَشْفَ الْمَطْلُوبَ سَيَنْجَلِي عَنْ بَرَاءَتِهِ وَظُهُورِ كَيْدِ الْكَائِدَاتِ لَهُ ثِقَةً بِاللَّهِ رَبِّهِ أَنَّهُ نَاصِرُهُ.
وَإِضَافَةُ كَيْدٍ إِلَى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ لِأَنَّ الْكَيْدَ وَاقِعٌ مِنْ بَعْضِهِنَّ، وَهِيَ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ فِي غَرَضِهَا مِنْ جَمْعِ النِّسْوَةِ فَأُضِيفَ إِلَى ضَمِيرِ جَمَاعَتِهِنَّ قَصْدًا لِلْإِبْهَامِ الْمُعَيَّنِ على التِّبْيَان.
[٥١]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٥١]
قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)
جُمْلَةُ قالَ مَا خَطْبُكُنَّ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ الْجُمَلَ الَّتِي سَبَقَتْهَا تُثِيرُ سُؤَالًا فِي نَفْسِ السَّامِعِ عَمَّا حَصَلَ مِنَ الْمَلِكِ لَمَّا أُبْلِغَ إِلَيْهِ اقْتِرَاحُ يُوسُفَ-
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.