آيَةُ الصَّيْفِ»
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النِّسَاء: ١٧٦] لِأَنَّ جُمَلَ الْقُرْآنِ حُجَّةٌ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ لِأَنَّ بَلَاغَتَهَا مُعْجِزَةٌ.
وَأَمَّا إِطْلَاقُ آيَةٍ عَلَى الْجُمْلَةِ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي حَدِيثِ الرَّجْمِ فِي قَوْلِ الرَّاوِي «فَوَضْعُ الْمِدْرَاسِ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ» فَذَلِكَ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ لِعَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ. وَوَجْهُ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ إِعْرَاضِهِمْ وَبَيْنَ الِاشْتِرَاءِ، أَنَّ إِعْرَاضَهُمْ عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ لِأَجْلِ اسْتِبْقَاءِ السِّيَادَةِ، وَالنَّفْعُ فِي الدُّنْيَا يُشْبِهُ اسْتِبْدَالَ الْمُشْتَرِي فِي أَنَّهُ يُعْطِي مَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ وَيَأْخُذُ مَا إِلَيْهِ احْتِيَاجُهُ وَلَهُ فِيهِ مَنْفَعَتُهُ، فَفِي تَشْتَرُوا اسْتِعَارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ فِي الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ تَشْتَرُوا مَجَازًا مُرْسَلًا بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ أَوْ بِعَلَاقَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُقَيَّدِ فِي الْمُطْلَقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [الْبَقَرَة: ١٦] ، لَكِنْ هُنَا الِاسْتِعَارَةُ مُتَأَتِّيَةٌ فَهِيَ أَظْهَرُ لِظُهُورِ عَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ وَاسْتِغْنَاءِ عَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ عَنْ تَطَلُّبِ وَجْهِ الْعُدُولِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ لِأَنَّ مَقْصِدَ التَّشْبِيهِ وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْعُدُولِ إِلَى الِاسْتِعَارَةِ، إِذِ التَّشْبِيهُ مِنْ مَقَاصِدِ الْبُلَغَاءِ.
وَإِذْ قَدْ كَانَ فِعْلُ الِاشْتِرَاءِ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ أُبْدِلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ جُعِلَ الْعِوَضَ الْمَرْغُوبَ فِيهِ هُوَ الْمُشْتَرَى وَهُوَ الْمَأْخُوذُ وَيُعَدَّى إِلَى الْفِعْلِ بِنَفْسِهِ، وَجُعِلَ الْعِوَضَ الْآخَرَ هُوَ الْمَدْفُوعَ
وَيُسَمَّى الثَّمَنَ وَيَتَعَدَّى الْفِعْلُ إِلَيْهِ بِالْبَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنَى الْعِوَضِ.
وَقَدْ عَدَّى الِاشْتِرَاءَ هُنَا إِلَى الْآيَاتِ بِالْبَاءِ فَكَانَتِ الْآيَاتُ هِيَ الْوَاقِعَةَ مَوْقِعَ الثَّمَنِ لِأَنَّ الثَّمَنَ هُوَ مُدْخَلُ الْبَاءِ فَدَلَّ دُخُولُ الْبَاءِ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ شُبِّهَتْ بِالثَّمَنِ فِي كَوْنِهَا أَهْوَنَ الْعِوَضَيْنِ عِنْدَ الْمُسْتَبْدِلِ، وَذِكْرُ الْبَاءِ قَرِينَةَ الْمَكْنِيَّةِ لِأَنَّهَا تَدْخُلْ عَلَى الثَّمَنِ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا تَبَعِيَّةً إِذْ لَيْسَ ثَمَّ مَعْنًى حَقُّهُ أَنْ يُؤَدَّى بِالْحَرْفِ شُبِّهَ بِمَعْنَى الْبَاءِ، فَهَا هُنَا يَتَعَيَّنُ سُلُوكُ طَرِيقَةِ السَّكَّاكِيِّ فِي رَدِّ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَكْنِيَّةِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا جَعْلُ الْبَاءِ تَخْيِيلًا إِذْ لَيْسَتْ دَالَّةً عَلَى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ يُمْكِنُ تَخَيُّلُهُ.
ثُمَّ عَبَّرَ عَنْ مَفْعُولِ الِاشْتِرَاءِ بِلَفْظِ الثَّمَنِ وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُعْطِيَ لَفْظَ الثَّمَنِ لِمَدْخُولِ الْبَاءِ أَوْ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ كُلٍّ بِلَفْظٍ آخَرَ كَأَنْ يُقَالَ: لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي مَتَاعًا قَلِيلًا فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَعَبَّرَ عَنِ الْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ بِالثَّمَنِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ لِتَشْبِيهِ هَذَا الْعِوَضِ مِنَ الرِّئَاسَةِ أَوِ الْمَالِ بِالثَّمَنِ أَوْ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الثَّمَنَ فِي كَوْنِهِ أَعْيَانًا وَحُطَامًا جُعِلَتْ بَدَلًا عَنْ أَمْرٍ نَافِعٍ وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ فِي أَنَّهُمْ مَغْبُونُو الصَّفْقَةِ إِذْ قَدْ بَذَلُوا أَنْفَسَ شَيْءٍ وَأَخَذُوا حَظًّا مَا قَلِيلًا فَكَانَ كِلَا الْبَدَلَيْنِ فِي الْآيَةِ مُشَبَّهًا بِالثَّمَنِ إِلَّا أَنَّ الْآيَاتِ شُبِّهَتْ بِهِ فِي كَوْنِهَا أَهْوَنَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.