بِمَا اسْتَحَقُّوا بِهِ عَذَابَ النَّار. وَكَذَلِكَ عبر بِ (النَّارِ) فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِلْمَوْبِقِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمَوْبِقَ هُوَ النَّارُ فَهُوَ شَبِيهٌ بِعَطْفِ الْبَيَانِ.
وَالظَّنُّ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي مَعْنَى التَّحَقُّقِ وَهُوَ مِنِ اسْتِعْمَالَاتِهِ. وَلَعَلَّ اخْتِيَارَهُ هُنَا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ بِأَنَّهُمْ رَجَّحُوا أَنَّ تِلْكَ النَّارَ أُعِدَّتْ لِأَجْلِهِمْ فِي حِينِ أَنَّهُمْ مُوقِنُونَ بِذَلِكَ.
وَالْمُوَاقَعَةُ: مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْوُقُوعِ، وَهُوَ الْحُصُولُ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ، أَيْ وَاقِعُونَ فِيهَا وُقُوعَ
الشَّيْءِ الْحَاصِلِ فِي مَوْقِعٍ يَتَطَلَّبُهُ فَكَأَنَّهُ يَقَعُ هُوَ فِيهِ.
وَالْمَصْرِفُ: مَكَانُ الصَّرْفِ، أَيِ التَّخَلُّصِ وَالْمُجَاوَزَةِ. وَفِي الْكَلَامِ إِيجَازٌ، تَقْدِيرُهُ:
وَحَاوَلُوا الِانْقِلَابَ أَوِ الِانْصِرَافَ فَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا، أَي مخلصا.
[٥٤]
[سُورَة الْكَهْف (١٨) : آيَة ٥٤]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤)
عُطِفَ عَلَى الْجُمَلِ السَّابِقَةِ الَّتِي ضُرِبَتْ فِيهَا أَمْثَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [الْكَهْف: ٣٢] وَقَوْلِهِ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الْكَهْف: ٤٥] . وَلَمَّا كَانَ فِي ذَلِكَ لَهُمْ مَقْنَعٌ وَمَا لَهُمْ مِنْهُ مَدْفَعٌ عَادَ إِلَى التَّنْوِيهِ بِهَدْيِ الْقُرْآنِ عَوْدًا نَاظِرًا إِلَى قَوْلِهِ: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ [الْكَهْف: ٢٧] وَقَوْلِهِ: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الْكَهْف: ٢٩] فَأَشَارَ لَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْثَالَ الَّتِي قَرَعَتْ أسماعهم هدي مِنْ جُمْلَةِ هَدْيِ الْقُرْآنِ الَّذِي تَبَرَّمُوا مِنْهُ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٨٩] سِوَى أَنَّهُ يُتَّجَهُ هُنَا أَنْ يُسْأَلَ لِمَ قَدَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدَ مُتَعَلِّقِي فِعْلِ التَّصْرِيفِ عَلَى الْآخَرِ إِذْ قَدَّمَ هُنَا قَوْلَهُ: فِي هذَا الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِهِ:
لِلنَّاسِ عَكْسَ آيَةِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ. وَهُوَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ عِنْدَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ الْقُرْآنِ أَهَمُّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.