الْبَاطِنِيَّةِ، وَأَنَّهُ يَظْهَرُ لِأَهْلِ الْمَرَاتِبِ الْعُلْيَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَيُفِيدُهُمْ مِنْ عِلْمِهِ مَا هُمْ أَهْلٌ لِتَلَقِّيهِ.
وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِلْهَامَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْوَحْيِ، وَسَمَّوْهُ الْوَحْيَ الْإِلْهَامِيَّ، وَأَنَّهُ يَجِيءُ عَلَى لِسَانِ مَلَكِ الْإِلْهَامِ، وَقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ ابْن الْعَرَبِيِّ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَالثَمَانِينَ مِنْ كِتَابِهِ «الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ» ، وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَحْيِ الْأَنْبِيَاءِ بِفُرُوقٍ وعلامات ذكرهَا منثورة فِي الْأَبْوَابِ الثَّالِثِ وَالسَّبْعِينَ، وَالثَّامِنِ وَالسِتِّينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ، وَالرَّابِعِ وَالسِّتِينَ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَجَزَمَ بِأَنَّ هَذَا الْوَحْيَ الْإِلْهَامِيَّ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلشَّرِيعَةِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَخْلُو مَا قَالَهُ مِنْ غُمُوضٍ وَرُمُوزٍ، وَقَدِ انْتَصَبَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ لِإِبْطَالِ أَنْ يَكُونَ مَا يُسَمَّى بِالْإِلْهَامِ حُجَّةً. وَعَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ إِيقَاعُ شَيْءٍ فِي الْقَلْبِ يَثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، وَأَبْطَلُوا كَوْنَهُ حُجَّةً لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَوَاطِرِ مَنْ لَيْسَ مَعْصُومًا وَلِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْكَشْفِ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهَا النَّسَفِيُّ فِي «عَقَائِدِهِ» ، وَكُلُّ مَا قَالَهُ النَّسَفِيُّ فِي ذَلِكَ حَقٌّ، وَلَا يُقَامُ التَّشْرِيعُ عَلَى أُصُولٍ مَوْهُومَةٍ لَا تَنْضَبِطُ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْخَضِرَ نَبِيءٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ كَانَ مُوحًى إِلَيْهِ بِمَا أُوحِيَ، لِقَوْلِهِ وَما
فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
، وَأَنَّهُ قَدِ انْقَضَى خَبَرُهُ بَعْدَ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الَّتِي قُصَّتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَنَّهُ قَدْ لَحِقَهُ الْمَوْتُ الَّذِي يَلْحَقُ الْبَشَرَ فِي أَقْصَى غَايَةٍ مِنَ الْأَجَلِ يُمْكِنُ أَنْ تُفْرَضَ، وَأَنْ يَحْمِلَ مَا يُعْزَى إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ الْمَوْسُومِينَ بِالصِّدْقِ أَنَّهُ مَحُوكٌ عَلَى نَسْجِ الرَّمْزِ الْمُعْتَادِ لَدَيْهِمْ، أَوْ عَلَى غِشَاوَةِ الْخَيَالِ الَّتِي قَدْ تُخَيِّمُ عَلَيْهِمْ.
فَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِمَّنْ يَقُولُ: أَخْبرنِي الْخضر.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.