وَقَوْلُهُ: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً يُفِيدُ وَجْهَ الشَّبَهِ وَيَتَضَمَّنُ أَحَدَ أَرْكَانِ التَّمْثِيلِ وَهُوَ الرَّجُلُ الْعَطْشَانُ وَهُوَ مُشَابِهُ الْكَافِرِ صَاحِبِ الْعَمَلِ.
وحَتَّى ابْتِدَائِيَّةٌ فَهِيَ بِمَعْنَى فَاءِ التَّفْرِيعِ. وَمَجِيءُ الظَّمْآنِ إِلَى السَّرَابِ يَحْصُلُ بِوُصُولِهِ إِلَى مَسَافَةٍ كَانَ يُقَدِّرُهَا مَبْدَأُ الْمَاءِ بِحَسَبِ مَرْأَى تَخَيُّلِهِ، كَأَنْ يُحَدِّدُهُ بِشَجَرَةٍ أَوْ صَخْرَةٍ. فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى حَيْثُ تَوَهَّمَ وُجُودَ الْمَاءِ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَتَحَقَّقَ أَنَّ مَا لَاحَ لَهُ سَرَابٌ.
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى إِذا جاءَهُ، أَيْ إِذَا جَاءَ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَخَيَّلَ أَنَّهُ إِنْ وَصَلَ إِلَيْهِ يَجِدُ مَاءً. وَإِلَّا فَإِنَّ السَّرَابَ لَا يَزَالُ يلوح لَهُ على بَعْدُ كُلَّمَا تَقَدَّمَ السَّائِرُ فِي سَيْرِهِ. فَضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِقُرْبِ زَمَنِ إِفْضَاءِ الْكَافِرِ إِلَى عَمَلِهِ وَقْتَ مَوْتِهِ حِينَ يَرَى مَقْعَدَهُ أَوْ فِي وَقْتِ الْحَشْرِ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً أَيْ لَمْ يَجِدْ مَا كَانَ يُخَيَّلُ إِلَى عَيْنِهِ أَنَّهُ مَاءٌ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا.
وَالشَّيْءُ: هُوَ الْمَوْجُودُ وُجُودًا مَعْلُومًا لِلنَّاسِ، وَالسَّرَابُ مَوْجُودٌ وَمَرْئِيٌّ، فَقَوْلُهُ:
شَيْئاً أَيْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ. وَهَذَا التَّمْثِيلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا
مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
[الْفرْقَان: ٢٣] .
وَ (إِذَا) هُنَا ظَرْفٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ. وَالْمَعْنَى: زَمَنُ مَجِيئِهِ إِلَى السَّرَابِ، أَيْ وُصُولِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُهُ: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ هُوَ مِنْ تَمَامِ التَّمْثِيلِ، أَيْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وَوَجَدَ فِي مَظِنَّةِ الْمَاءِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ وَجَدَ مَنْ إِنْ أَخَذَ بِنَاصِيَتِهِ لَمْ يُفْلِتْهُ، أَيْ هُوَ عِنْدَ ظَنِّهِ الْفَوْزَ بِمَطْلُوبِهِ فَاجَأَهُ مَنْ يَأْخُذُهُ لِلْعَذَابِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أَيْ أَعْطَاهُ جَزَاءَ كُفْرِهِ وَافِيًا.
فَمَعْنَى فَوَفَّاهُ أَنَّهُ لَا تَخْفِيفَ فِيهِ، فَهُوَ قَدْ تَعِبَ وَنَصِبَ فِي الْعَمَلِ فَلَمْ يَجِدْ جَزَاءً إِلَّا الْعَذَابَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَرَدَ الْمَاءَ لِلسَّقْيِ فَوَجَدَ مَنْ لَهُ عِنْدَهُ تِرَةٌ فَأَخَذَهُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.