وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وَيَظْلِمَهُمْ. وَلَيْسَ الرَّسُولُ بِالَّذِي يَظْلِمُ بَلْ هُمُ الظَّالِمُونَ. فَالْقَصْرُ الْحَاصِلُ مِنْ تَعْرِيفِ الْجُزْأَيْنِ وَمِنْ ضَمِيرِ الْفَصْلِ حَصْرٌ مُؤَكِّدٌ، أَيْ هُمُ الظَّالِمُونَ لَا شَرْعُ اللَّهِ وَلَا حُكْمُ رَسُولِهِ.
وَزَادَ اسْمَ الْإِشَارَةِ تَأْكِيدًا لِلْخَبَرِ فَحَصَلَ فِيهِ أَرْبَعَةُ مُؤَكِّدَاتٍ: اثْنَانِ مِنْ صِيغَةِ الْحَصْرِ إِذْ لَيْسَ الْحَصْرُ وَالتَّخْصِيصُ إِلَّا تَأْكِيدًا عَلَى تَأْكِيدٍ، وَالثَّالِثُ ضَمِيرُ الْفَصْلِ، وَالرَّابِعُ اسْمُ الْإِشَارَةِ.
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ الْمَوْضُوعُ لِلتَّمْيِيزِ اسْتُعْمِلَ هُنَا مَجَازًا لِتَحْقِيقِ اتِّصَافِهِمْ بِالظُّلْمِ، فَهُمْ يَقِيسُونَ النَّاسَ عَلَى حَسَبِ مَا يَقِيسُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَلَمَّا كَانُوا أَهْلَ ظُلْمٍ ظَنُّوا بِمَنْ هُوَ أَهْلُ الْإِنْصَافِ أَنَّهُ ظَالِمٌ كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَلَا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الْآيَةِ بِحُكْمِ مَنْ دُعِيَ إِلَى الْقَاضِي لِلْخُصُومَةِ فَامْتَنَعَ لِأَنَّ الذَّمَّ وَالتَّوْبِيخَ فِيهَا كَانَا على امْتنَاع ناشىء عَنْ كفرهم ونفاقهم.
[٥١]
[سُورَة النُّور (٢٤) : آيَة ٥١]
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ الَّذين يعرضون عِنْد مَا يُدْعَوْنَ إِلَى الْحُكُومَةِ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِالْمُؤْمِنِينَ فِي حِينِ أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ يُثِيرُ سُؤَالَ سَائِلٍ عَنِ الْفَاصِلِ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ الْحَقِّ وَبَيْنَ الَّذِي يُرَائِي بِإِيمَانِهِ فِي حِينِ يُدْعَى إِلَى الْحُكُومَةِ عِنْدَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْتَضِي أَنْ يُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ عِنْدَهُ الْإِيمَانُ الْمُزَوَّرُ بِالْإِيمَانِ الصَّادِقِ، فَقَدْ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُمَوِّهُونَ بِأَنَّ إِعْرَاضَ مَنْ أَعْرَضَ مِنْهُمْ عَنِ التَّحَاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لِتُزَلْزِلٍ فِي إِيمَانِهِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ وَلَكِنَّهُ إِعْرَاضٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.