خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ، وَسَخَّرَ لَهُمُ التَّصَرُّفَ بِوُجُوهِ التَّصَارِيفِ الْمُعِينَةِ عَلَى هَذِهِ الْخِلَافَةِ، وَهِيَ تَكْوِينُ هِدَايَتِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَذَلِكَ جَامِعٌ لِأَصُولَ تَصَرُّفَاتِ الْخِلَافَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الِارْتِحَالِ وَالتِّجَارَة والغزو.
وَختم ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ لِنِعْمَتَيِ الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ وَفِي مَطَاوِيهَا جَوَامِعُ التَّمَكُّنِ فِي
الأَرْض.
[٦٥- ٦٦]
[سُورَة النَّمْل (٢٧) : الْآيَات ٦٥ إِلَى ٦٦]
قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)
لَمَّا أَبْطَلَتِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ إِلَهِيَّةَ أَصْنَامِ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَظَاهِرَةِ فَانْقَطَعَ دَابِرُ عَقِيدَةِ الْإِشْرَاكِ ثُنِّيَ عِنَانُ الْإِبْطَالِ إِلَى أَثَرٍ مِنْ آثَارِ الشِّرْكِ وَهُوَ ادِّعَاءُ عِلْمِ الْغَيْبِ بِالْكَهَانَةِ وَإِخْبَارِ الْجِنِّ، كَمَا كَانَ يَزْعُمُهُ الْكُهَّانُ وَالْعَرَّافُونَ وَسَدَنَةُ الْأَصْنَامِ. وَيُؤْمِنُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ. وَفِي «مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ» وَغَيْرِهِ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ حِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ فَمَا كَانَ سُؤَالُهُمْ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا لِظَنِّهِمْ أَنَّ ادِّعَاءَ الْعِلْمِ بِوَقْتِهَا من شَأْن النبوءة توصلا لجحد النبوءة إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُمْ وَقْتَ السَّاعَةِ فَأَبْطَلَتِ الْآيَةُ هَذِهِ الْمَزَاعِمَ إِبْطَالًا عَامًّا مِعْيَارُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إِلَّا اللَّهُ. وَهُوَ عَامٌّ مُرَادٌ بِهِ الْخُصُوصُ أَعْنِي خُصُوصَ الْكُهَّانِ وَسَدَنَةِ بُيُوتِ الْأَصْنَامِ. وَإِنَّمَا سَلَكَ مَسْلَكَ الْعُمُومِ لِإِبْطَالِ مَا عَسَى أَنْ يُزْعَمَ مِنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعُمُومَ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَأَوْجَزُ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَالُ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ بَيْنِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. فَالْقَصْدُ هُنَا تَزْيِيفُ آثَارِ الشِّرْكِ وَهُوَ الْكِهَانَةُ وَنَحْوُهَا. وَإِذْ قَدْ كَانَتِ الْمَخْلُوقَاتُ لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا من أهل السَّمَوَات أَوْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ لِانْحِصَارِ عَوَالِمِ الْمَوْجُودَاتِ فِي ذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ فِي قُوَّةِ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ الْغَيْبَ، وَلَكِنْ أُطْنِبَ الْكَلَامُ لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلَى تَعْمِيمِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا فَإِنَّ مَقَامَ عِلْمِ الْعَقِيدَةِ مَقَامُ بَيَانٍ يُنَاسِبُهُ الْإِطْنَابُ.
وَاسْتِثْنَاءُ إِلَّا اللَّهُ مِنْهُ لِتَأْوِيلِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بِمَعْنَى: أَحَدٌ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.