وَالِاسْتِدْرَاكُ فِي وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ أَيْ لَقَدْ بَلَغَكُمْ ذَلِكَ وَكَانَ الشَّأْنُ أَنْ تَسْتَعِدُّوا لَهُ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، أَيْ: لَا تَتَصَدَّوْنَ لِلْعِلْمِ بِمَا فِيهِ النَّفْعُ بَلْ كَانَ دَأْبَكُمُ الْإِعْرَاضُ عَنْ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِي التَّعْبِيرِ بِنَفْيِ الْعِلْمِ وَقَصْدِ نَفْيِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَالْعِنَايَةِ بِتَلَقِّيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّصَدِّيَ لِلتَّعَلُّمِ وَسِيلَة لحصوله.
[٥٧]
[سُورَة الرّوم (٣٠) : آيَة ٥٧]
فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)
تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ [الرّوم: ٥٥] . وَالَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ، فَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمْ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِغَرَضِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الظُّلْمِ وَهُوَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِفُنُونِ الظُّلْمِ، فَفِيهِ الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ، وَظُلْمُ الْمُشْرِكِ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِهَا لِلْعَذَابِ، وَظُلْمُهُمُ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْذِيبِ، وَظُلْمُهُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ.
وَالْمَعْذِرَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ اعْتَذَرَ، إِذَا أَبْدَى عِلَّةً أَوْ حُجَّةً لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مُؤَاخَذَةً عَلَى ذَنْبٍ أَوْ تَقْصِيرٍ. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلِ عَذَرَهُ، إِذَا لَمْ يُؤَاخِذْهُ عَلَى ذَنْبٍ أَوْ تَقْصِيرٍ لِأَجْلِ ظُهُورِ سَبَبٍ يَدْفَعُ عَنْهُ الْمُؤَاخَذَةَ بِمَا فَعَلَهُ. وَإِضَافَةُ (مَعْذِرَةٍ) إِلَى ضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا تَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْذِرَةَ وَاقِعَةٌ مِنْهُمْ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ بِمَعْذِرَةٍ مَعْهُودَةً فَتَكُونُ هِيَ قَوْلُهُمْ مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [الرّوم: ٥٥] كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعُمُومِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمَصْدَرِ الْمُضَافِ، أَيْ: لَا تَنْفَعُهُمْ مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِهَا مِثْلَ قَوْلِهِمْ غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٦] وَقَوْلِهِمْ هؤُلاءِ أَضَلُّونا [الْأَعْرَاف: ٣٨] .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦] الْمُقْتَضِي نَفْيَ وُقُوعِ الِاعْتِذَارِ مِنْهُمْ لِأَنَّ الِاعْتِذَارَ الْمَنْفِيَّ هُوَ الِاعْتِذَارُ الْمَأْذُونُ فِيهِ، أَيِ:
الْمَقْبُولُ، لِأَنَّ اللَّهَ لَوْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.