لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ. وَلِهَذَا فَحَقُّ جُمْلَةِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً أَنْ تَكُونَ خَبَرًا فِي الْمَعْنَى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَعَدَ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، إِنَّ الْمُسْلِمَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُنَّ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وَهَكَذَا. وَالْفِعْلُ الْوَاقِعُ فِي جُمْلَةِ الْخَبَرِ وَهُوَ فِعْلُ أَعَدَّ قَدْ تَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَمَعْطُوفٍ عَلَى الْمَفْعُولِ فَصِحَّةُ الْإِخْبَارِ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْصُوفَاتِ المتعاطفات بِاعْتِبَارِ الْمَعْطُوفِ عَلَى مَفْعُولِهِ وَاضِحَةٌ لَأَنَّ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ يَصْلُحُ لِأَنْ يُعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ وَيَقْبَلُ التَّفَاوُتَ فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنْ أَصْحَابِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ أَجْرُهُ عَلَى اتِّصَافِهِ بِهِ وَيَكُونُ أَجْرُ بَعْضِهِمْ أَوْفَرَ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ آخَرَ.
وَأَمَّا صِحَّةُ الْإِخْبَارِ بِفِعْلِ أَعَدَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ بِاعْتِبَار الْمَفْعُول وَهُوَ مَغْفِرَةً فَيَمْنَعُ مِنْهُ مَا جَاءَ مِنْ دَلَائِلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الذُّنُوبَ الْكَبِيرَةَ الَّتِي فَرَطَتْ لَا يُضْمَنُ غُفْرَانُهَا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ وَعَدًا مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْأَنْعَام: ٥٤] . وَأَلْحَقَتِ السُّنَّةُ بِمُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَشْيَاءَ أُخْرَى.
وَالْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ عِنْدِي: أَنْ تُحْمَلَ كُلُّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى عَدَمِ مَا يُعَارِضُهَا مِمَّا يُوجِبُ التَّبِعَةَ، أَيْ سَلَامَتُهُ مِنَ التَّلَبُّسِ بِالْكَبَائِرِ حَمَلًا أُرَاعِي فِيهِ الْجَرْيَ عَلَى سَنَنِ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ مَقَامِ الثَّنَاءِ وَالتَّنْوِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ اعْتِبَارِ حَالِ كَمَالِ الْإِسْلَامِ كَقَوْلِهِ:
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الْأَنْفَال: ٤] فَإِنَّا لَا نَجِدُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي مَقَامِ التَّحْذِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَالْمَرْجِعُ فِي هَذَا الْمَحْمَلِ إِلَى بَيَانِ الْإِجْمَالِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ. وَقَدْ سَكَتَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ التَّصَدِّي لِبَيَانِ مُفَادِ هَذَا الْوَعْدِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ فِيمَا رَأَيْتُ سِوَى صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» فَجَعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً: أَنَّ الْجَامِعِينَ وَالْجَامِعَاتِ لِهَذِهِ الطَّاعَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وَجَعَلَ وَاوَ الْعَطْفِ بِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ، وَجَعَلَ الْعَطْفَ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ فِي الْأَوْصَافِ لَا الْمُغَايَرَةِ بِالذَّوَاتِ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ وَصُنْعٌ بِالْيَدِ، وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَكَثِيرٌ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ جَمْعَ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَا يُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ لِأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُسْقِطُهَا عَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.