بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ أَيْ غَيْرِهِنَّ، وَعَلَى هَذَا الْمَحْمَلِ حَمَلَ الْآيَةَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ قَالَ: «نُهِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَصْنَافِ النِّسَاءِ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ» فَقَالَ:
لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَأَحَلَّ اللَّهُ الْمَمْلُوكَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها للنبيء [الْأَحْزَاب: ٥٠] . وَمِثْلُ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدُ مُرَادًا بِهِ الشَّيْءَ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْبُعْدِيَّةِ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ سَابِقٍ.
وَبِنَاءُ بَعْدُ عَلَى الضَّمِّ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ مُضَافٍ إِلَيْهِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ
عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْخُلَاصَةِ وَحَقَّقَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي «شَرْحِهِ عَلَى قَطْرِ النَّدَى» ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَنْ ذُكِرْنَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي مَعْنَى الْبُعْدِيَّةِ فَيُقَدَّرُ: مِنْ غَيْرِ مَنْ ذُكِرْنَ، أَوْ يُقَدَّرُ مِنْ بَعْدِ مَنْ ذُكِرْنَ، فَتَنْشَأُ احْتِمَالَاتُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَصْنَافَ مَنْ ذُكِرْنَ أَوْ أَعْدَادَ مَنْ ذُكِرْنَ (وَكُنَّ تِسْعًا) ، أَوْ مَنِ اخْتَرْتَهُنَّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ وَقْتًا، أَيْ بَعْدَ الْيَوْمِ أَوِ السَّاعَةِ، أَيِ الْوَقْتِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ فَيَكُونَ نَسْخًا لِقَوْلِهِ: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إِلَى قَوْلِهِ: خالِصَةً لَكَ [الْأَحْزَاب: ٥٠] .
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ النِّسَاءَ» . وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وَهُوَ مُقْتَضٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ) فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ نَاسِخَهَا مِنَ السُّنَّةِ لَا مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ قَوْلَهَا: مَا مَاتَ، يُؤْذِنُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ آخِرَ حَيَاتِهِ فَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي نَزَلَتْ مَعَ سُورَتِهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ سِنِينَ نَاسِخَةً لِلْإِبَاحَةِ الَّتِي عنتها عَائِشَة وَلذَلِك فَالْإِبَاحَةُ إِبَاحَةُ تَكْرِيمٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِثْلَ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
والنِّساءُ إِذْا أُطْلِقَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ غَلَبَ فِي مَعْنَى الْأَزْوَاجِ، أَيِ الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
حِذَارًا عَلَى أَنْ لَا تُنَالُ مَقَادَتَيْ ... وَلَا نِسْوَتِي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرًا
أَيْ لَا تَحِلُّ لَكَ الْأَزْوَاجُ مِنْ بَعْدِ مَنْ ذُكِرْنَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.