اضْطِرَابِ الْعَوَالِمِ وَانْدِكَاكِهَا. وَأَقْرَبُ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي تَحْمِلُ الْعَقْلَ أَنْوَاعُ الْحَيَوَانِ مَا عَدَا الْإِنْسَانَ فَلَوْ أُودِعَ فِيهَا الْعَقْلُ لَمَا سَمَحَتْ هَيْئَاتُ أَجْسَامِهَا بِمُطَاوَعَةِ مَا يَأْمُرُهَا الْعَقْلُ بِهِ. فَلْنَفْرِضْ أَنَّ الْعَقْلَ يُسَوِّلُ لِلْفَرَسِ أَنْ لَا يَنْتَظِرُ عَلَفَهُ أَوْ سَوْمَهُ وَأَنْ يَخْرُجَ إِلَى حَنَّاطٍ يَشْتَرِي مِنْهُ عَلَفًا، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع إفصاحا ويضيع فِي الْإِفْهَامِ ثُمَّ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ بِيَدِهِ إِلَى فَرَسٍ غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ مَعَ أَحَدٍ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ.
وَمُنَاسَبَةُ قَوْلِهِ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ [الْأَحْزَاب: ٧٣] الْآيَةَ لِهَذَا الْمَحْمَلِ نَظِيرُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْمَحْمَلِ الْأَوَّلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَمَانَةُ مَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ مَخَالِطٌ لِبَنِي جِنْسِهِ فَهُوَ لَا يَخْلُو عَنِ ائْتِمَانٍ أَوْ أَمَانَةٍ فَكَانَ الْإِنْسَانُ مُتَحَمِّلًا لِصِفَةِ الْأَمَانَةِ بِفِطْرَتِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْوَفَاءِ لِمَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ كَمَا
فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا ضُيَّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»
أَيْ إِذَا انْقَرَضَتِ الْأَمَانَةُ كَانَ انْقِرَاضُهَا عَلَامَةً عَلَى اخْتِلَالِ الْفِطْرَةِ، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ
الِاخْتِلَالَاتِ الْمُنْذِرَةِ بِدُنُوِّ السَّاعَةِ مِثْلَ تَكْوِيرِ الشَّمْسِ وَانْكِدَارِ النُّجُومِ وَدَكِّ الْجِبَالِ.
وَالَّذِي بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ حُذَيْفَةَ: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْأَخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا فَقَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ (١) ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ (٢) كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفَطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمينا، وَيُقَال للرِّجَال: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» أَيْ مِنْ أَمَانَةٍ لِأَنَّ الْإِيمَانَ مِنَ الْأَمَانَةِ لِأَنَّهُ عَهْدُ اللَّهِ.
(١) الوكت: الشية فِي الشَّيْء من غير لَونه.(٢) المجل: نفاخة فِي الْجلد مُرْتَفعَة يكون مَا تحتهَا فَارغًا مثل مَا يَقع فِي أكف العملة بالفؤوس من ارتفاعات فِي الْجلد.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.