وَجْهِهَا فَلَيْسَتْ عُلُومُهُمْ بِمُقَرِّبَةٍ لَهُمْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَالِمَ بِالشَّرِيعَةِ لَا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ حَقَائِقُ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ يَفْهَمُ مَوَاقِعَهَا حَقَّ الْفَهْمِ وَيَرْعَاهَا فِي مَوَاقِعِهَا وَيَعْلَمُ عَوَاقِبَهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، فَهُوَ يَأْتِي وَيَدَعُ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا فِيهِ مُرَادُ اللَّهِ وَمَقْصِدُ شَرْعِهِ، فَإِنْ هُوَ خَالَفَ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الشَّرِيعَةُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِدَاعِي شَهْوَةٍ أَوْ هَوًى أَوْ تَعَجُّلِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ كَانَ فِي حَالِ الْمُخَالَفَةِ مُوقِنًا أَنَّهُ مُوَرَّطٌ فِيمَا لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ، فَذَلِكَ الْإِيقَانُ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَنْصَرِفَ بِهِ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِي الْمُخَالَفَةِ بِالْإِقْلَاعِ أَوِ الْإِقْلَالِ.
وَغَيْرُ الْعَالِمِ إِنِ اهْتَدَى بِالْعُلَمَاءِ فَسَعْيُهُ مِثْلُ سَعْيِ الْعُلَمَاءِ وَخَشْيَتُهُ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْ خَشْيَةِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ «وَالْعِلْمُ دَلِيلٌ عَلَى الْخَيْرَاتِ وَقَائِدٌ إِلَيْهَا، وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إِلَى اللَّهِ أَوْلَاهُمْ بِهِ وَأَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً وَفِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً» .
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ تَكْمِيلٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِغْنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ إِيمَانِ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ لَهُمُ الْخَيْرَ. وَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْوَصْفِ ضَرْبٌ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ مِمَّا قَدْ يُحْدِثُ يَأْسًا فِي نُفُوسِ الْمُقَارِبِينَ مِنْهُمْ، أُلِّفَتْ قُلُوبُهُمْ بِاتِّبَاعِ وَصْفِ عَزِيزٌ، بِوَصْفِ غَفُورٌ أَيْ فَهُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهُمْ إِنْ تَابُوا إِلَى مَا دَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّ فِي صِفَةِ غَفُورٌ حَظًّا عَظِيمًا لِأَحَدِ طرفِي الْقصر وهم الْعُلَمَاءُ، أَيْ غَفُور لَهُم.
[٢٩، ٣٠]
[سُورَة فاطر (٣٥) : الْآيَات ٢٩ إِلَى ٣٠]
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)
اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ جُمْلَةِ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] الْآيَةَ، فَالَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ هُمُ الْمُرَادُ بِالْعُلَمَاءِ، وَقَدْ تُخُلِّصَ إِلَى بَيَانِ فَوْزِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الذّكر وخشوا الرحمان بِالْغَيْبِ فَإِنَّ حَالَهُمْ مُضَادٌّ لِحَالِ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا الْقُرْآنَ وَكَانُوا عِنْدَ تَذْكِيرِهِمْ بِهِ كَحَالِ أَهْلِ الْقُبُورِ لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا. فَبَعْدَ أَنْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ ثَنَاءً إِجْمَالِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ، وَأَجْمَلَ حُسْنَ جَزَائِهِمْ بِذِكْرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.