تَفْصِيلِ مَا أُهْلِكَ مِنَ الْقُرُونِ أَمْثَالِهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ فِي الْكُفْرِ لِيُفْضِيَ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [ص: ١٢] إِلَى قَوْلِهِ: فَحَقَّ عِقابِ [ص: ١٤] .
فَتَكُونُ جُمْلَةُ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ بَدَلًا مِنْ جُمْلَةِ جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا مُسْتَقِلًّا خَارِجًا مَخْرَجَ الْبشَارَة للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ جُنْدٌ مِنَ الْأَحْزَابِ مَهْزُومٌ، أَيْ مُقَدَّرٌ انْهِزَامُهُ فِي الْقَرِيبِ، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُعْجِزَةٌ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ خَتَمَ بِهَا وَصْفَ أَحْوَالِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: وَعَدَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَهْزِمُهُمْ وَهُمْ بِمَكَّةَ فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ الْفَخْرُ: إِشَارَةٌ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِشَارَةٌ إِلَى نَصْرِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ.
وَعَادَةُ الْأَخْبَارِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْبِشَارَةِ أَوِ النِّذَارَةِ بِأَمْرٍ مَغِيبٍ أَنْ تَكُونَ مَرْمُوزَةً، وَالرَّمْزُ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ هُوَ اسْمُ الْإِشَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ: هُنالِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَصْلُحُ لِأَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِدُونِ تَأَوُّلٍ فَلْنَجْعَلْهُ إِشَارَةً إِلَى مَكَانٍ أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نبيئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَكَانُ بَدْرٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْأَحْزابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشَارَةً خَفِيَّةً إِلَى انْهِزَامِ الْأَحْزَابِ أَيْامَ الْخَنْدَقِ فَإِنَّهَا عُرِفَتْ بِغَزْوَةِ الْأَحْزَابِ. وَسَمَّاهُمُ اللَّهُ الْأَحْزابِ فِي السُّورَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِمْ، فَتَكُونُ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إِلْهَامًا كَمَا أَلْهَمَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فَسَمَّوْا حجّة النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُمْ سَلِيمُ الْمِزَاجِ، وَهَذَا فِي عِدَادِ الْمُعْجِزَاتِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي جَمَعْنَا طَائِفَةً مِنْهَا فِي كِتَابٍ خَاصٍّ. وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ اسْمِ الْإِشَارَةِ الْبَعِيدِ رَمْزٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الِانْهِزَامَ سَيَكُونُ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ غَيْرِ مَكَّةَ فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ مُشِيرَةً إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفَتْحَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ عَذَابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بَلْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَانُوا الطُّلَقَاءَ.
وَهَذِهِ الْإِشَارَةُ قَدْ علمهَا النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ حَتَّى كَانَ الْمُسْتَقْبِلَ تَأْوِيلَهَا كَمَا عَلِمَ يَعْقُوبُ سِرَّ رُؤْيَا ابْنِهِ يُوسُفَ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ [يُوسُف: ٥] . وَلَمْ يَعْلَمْ يُوسُفُ تَأْوِيلَهَا إِلَّا يَوْمَ قَالَ: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [يُوسُف: ١٠٠] يُشِيرُ إِلَى سُجُودِ أَبَوَيْهِ لَهُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.