مَرْأَى النَّاسِ، أَيْ لَهُ حُسْنُ رُجُوعٍ عِنْدِنَا وَهُوَ كَرَامَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْجَزَاءِ، أَي الْجنَّة يؤوب إِلَيْهَا.
[٢٦]
[سُورَة ص (٣٨) : آيَة ٢٦]
يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)
مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: ٢٥] أَيْ صَفَحْنَا عَنْهُ وَذَكَّرْنَاهُ بِنِعْمَةِ الْمُلْكِ وَوَعَظْنَاهُ، فَجَمَعَ لَهُ بِهَذَا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وَإِرْشَادًا لِلْوَاجِبِ. وَافْتِتَاحُ الْخِطَابِ بِالنِّدَاءِ لِاسْتِرْعَاءِ وَعْيِهِ وَاهْتِمَامِهِ بِمَا سَيُقَالُ لَهُ.
وَالْخَلِيفَةُ: الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ فِي عَمَلٍ، أَيْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ الْمَخْلُوفِ عَنْهُ قِيلَ: هُوَ خَلِيفَةُ فُلَانٍ، وَإِن كَانَ بعد مَا مَضَى الْمَخْلُوفُ قِيلَ: هُوَ خَلِيفَةٌ مِنْ فُلَانٍ. وَالْمُرَادُ هُنَا: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.
فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي إِنْفَاذِ شَرَائِعِهِ لِلْأُمَّةِ الْمَجْعُولِ لَهَا خَلِيفَةً مِمَّا يُوحِي بِهِ إِلَيْهِ
وَمِمَّا سَبَقَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أُوحِيَ إِلَيْهِ الْعَمَلُ بِهَا. وَخَلِيفَةٌ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأَوَّلِينَ الْمَدْعُوِّينَ بِالْقُضَاةِ، أَوْ خَلِيفَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ فِي الْمُلْكِ وَهُوَ شَاوَلُ.
والْأَرْضِ: أَرْضُ مَمْلَكَتِهِ الْمَعْهُودَةِ، أَيْ جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَرْضَ مُرَادًا بِهِ جَمِيعُ الْأَرْضِ فَإِنَّ دَاوُدَ كَانَ فِي زَمَنِهِ أَعْظَمَ مُلُوكِ الْأَرْضِ فَهُوَ مُتَصَرِّفٌ فِي مَمْلَكَتِهِ وَيَخَافُ بَأْسَهُ مُلُوكُ الْأَرْضِ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ إِذْ لَا يَنْفَلِتُ شَيْءٌ مِنْ قَبْضَتِهِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْخِلَافَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ [يُونُس: ١٤] وَقَوْلِهِ: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [النَّمْل: ٦٢] .
وَهَذَا الْمَعْنَى خِلَافُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠] فَإِنَّ الْأَرْضَ هُنَالِكَ هِيَ هَذِهِ الْكُرَةُ الْأَرْضِيَّةُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا يُقَالُ خَلِيفَةُ اللَّهِ إِلَّا لرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا الْخُلَفَاءُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.