وَفِي تَعْقِيبِ جُمْلَةِ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِجُمْلَةِ التَّذْيِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ وَأَنَّ إِنْزَالَ السَّكِينَةِ فِي قُلُوبِهِمْ تَشْدِيدٌ لِعَزَائِمِهِمْ فَتَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ قَبْلَ هَذَا الْعُمُومِ وَبَعْدَهُ تنويه بشأنهم، ويومىء إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ الْآيَةَ.
فَمِنْ جُنُودِ السَّمَاوَاتِ: الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ أُنْزِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وَالرِّيحُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَى الْعَدُوِّ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَالْمَطَرُ الَّذِي أُنْزِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَثَبَّتَ اللَّهُ بِهِ أَقْدَامَ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ جُنُودِ الْأَرْضِ جُيُوشُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَدِيدُ الْقَبَائِلِ الَّذِينَ جَاءُوا مُؤْمِنِينَ مُقَاتِلِينَ مَعَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مَثْلُ بَنِي سُلَيْمٍ، وَوُفُودُ الْقَبَائِلِ الَّذِينَ جَاءُوا مُؤْمِنِينَ طَائِعِينَ دُونَ قِتَالٍ فِي سَنَةِ الْوُفُودِ.
وَالْجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ، وَالْجُنْدُ اسْمٌ لِجَمَاعَةِ الْمُقَاتِلِينَ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَجَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَاتِ لِأَنَّ الْجَيْشَ يَتَأَلَّفُ مِنْ جُنُودٍ: مُقَدِّمَةٍ وَمَيْمَنَةٍ وَمَيْسَرَةٍ وَقَلْبٍ وَسَاقَةٍ.
وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ، وَهُوَ حَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ إِذْ لَا اعْتِدَادَ بِمَا يَجْمَعُهُ الْمُلُوكُ وَالْفَاتِحُونَ مِنَ الْجُنُودِ لِغَلَبَةِ الْعَدُوِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا لِلَّهِ مِنَ الْغَلَبَةِ لِأَعْدَائِهِ وَالنَّصْرِ لِأَوْلِيَائِهِ. وَجُمْلَةُ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً تَذْيِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ وَإِنْزَالِ السَّكِينَةِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ عَلِيمٌ بِأَسْبَابِ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ وَعَلِيمٌ بِمَا تَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْبَلْبَلَةِ وَأَنَّهُ حَكِيمٌ يَضَعُ مُقْتَضَيَاتِ عِلْمِهِ فِي مَوَاضِعِهَا الْمُنَاسِبَةِ وأوقاتها الملائمة.
[٥]
[سُورَة الْفَتْح (٤٨) : آيَة ٥]
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥)
اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [الْفَتْح: ٤] فَمَا بَعْدَ اللَّامِ عِلَّةٌ لِعِلَّةِ إِنْزَالِ السَّكِينَةِ فَتَكُونُ عِلَّةً لِإِنْزَالِ السَّكِينَةِ أَيْضًا بِوَاسِطَةِ أَنَّهُ عِلَّةُ الْعِلَّةِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.