أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ " التَّكْلِيفِ " وَهُوَ فِي اللُّغَةِ يَقْتَضِي مَعْنَى الْمَشَقَّةِ؛ لأَِنَّ الْعَرَبَ تَقُول " كَلَّفْتُهُ تَكْلِيفًا " إِذَا حَمَّلْتُهُ أَمْرًا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَأَمَرْتُهُ بِهِ، وَتَقُول: " تَكَلَّفْتُ الشَّيْءَ " إِذَا تَحَمَّلْتُهُ عَلَى مَشَقَّةٍ. فَمِثْل هَذَا يُسَمَّى مَشَقَّةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لأَِنَّهُ دُخُولٌ فِي أَعْمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا. وَأَقَل مَا فِيهِ فِي الأَْعْمَال الدِّينِيَّةِ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَمَّا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ، وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى فِيهِ مَشَقَّةٌ مَا.
وَلَكِنِ الشَّرِيعَةُ جَاءَتْ لإِِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ مِنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ اخْتِيَارًا كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا (١) .
وَهَذَا النَّوْعُ لاَزِمٌ لِكُل تَكْلِيفٍ؛ إِذْ لاَ تَخْلُو مِنْهُ التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ. وَالْمَشَقَّةُ الَّتِي فِيهِ - وَإِنْ سُمِّيَتْ مَشَقَّةً مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ - إِلاَّ أَنَّهَا لاَ تُسَمَّى فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ مَشَقَّةً، كَمَا لاَ يُسَمَّى فِي الْعَادَةِ مَشَقَّةً طَلَبُ الْمَعَاشِ بِالْحِرَفِ وَسَائِرِ الصَّنَائِعِ، بَل أَهْل الْعُقُول، وَأَصْحَابُ الْعَادَاتِ يَعُدُّونَ الْمُنْقَطِعَ عَنْهُ كَسْلاَنَ، وَيَذُمُّونَهُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَادُ فِي التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ (٢) .
فَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الدَّرَجَةَ الأُْولَى لاَ تَكْلِيفَ بِهَا أَصْلاً، فَالشَّرِيعَةُ لاَ تُكَلِّفُ الْعِبَادَ بِمَا لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُمْ أَصْلاً، وَكَذَلِكَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ، فَالْمَشَقَّاتُ الْفَادِحَةُ كَقَتْل الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لاَ تَكْلِيفَ بِهَا فِي هَذِهِ
(١) الموافقات ٢ / ١٢١ - ١٥٣.(٢) الموافقات ٢ / ١٢٣.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.