وقيدت فرق الزيغ بحبال الوريد إلى حفر اللحود، وطلّ دماء منع الدماء بها أن تطل، وصان بها عقد الدين أن تحل، وحسم مواد أهواء لولاه لسرى مرضها حتى تفسد كل الأعضاء، وأمهل خصماء الغرماء حتى تكثر ديون الدين على الاقتضاء، بل جاء في أمرهم بالغرائم، وجال في دفع ضرهم بالعظائم، ولم يأخذه على تلك الطوائف القاسية قلوبهم رقة ولا لين، ولا رأفة في دين الله ولا رحمة تتأنى بهم إلى وقت ولا حين.
وكان هارون الرشيد لا يرجع إلّا إليه، ولا يهجع جفن طمأنينته إلا لديه، لما يعلمه منه من فضل جلّ عن الذكر، ودقّ عن الفكر، لأنه ما نظر في علم إلا انفجر فلقه (١)، وانفرج غلقه.
ملأ نشره الفضاء، وتلألأ بشره فأضاء، وأشارت إليه الأصابع بالأنامل، وأثنت عليه بالصنائع الجميلة الأرامل، وانتصب لنصر المرسل (٢) فكفي مؤنة النصال، وشفي من الداء العضال، وقمع الفئة الباغية، والطائفة الطاغية، بتثبيت تزلّ الجبال الشم، وهو لا يتقلقل، وتنتقل الصخور الصمّ وهو راسخ لا يتنقّل، فما ورد العلماء حتى صدر، ولا مشى القدماء حتى تبين لهم منه الأثر، ولا ركب بنانه القلم حتى قيل إنها لإحدى الكبر (٣).
أخذ القراءة عرضا: عن نافع بن أبي نعيم. والعلم: عن ربيعة الرأي. ثم أفتى معه عند السلطان.
قال ابن وهب: سمعت مناديا ينادي: ألا لا يفتي الناس إلا بفتيا ابن أنس وابن أبي ذئب.
(١) الصبح: بان ضؤوه. (٢) كذا في الأصل. (٣) بياض في الأصل قدره سطرين.