وكان مالك إذا أراد أن يحدّث توضّأ، وجلس على صدر فراشه، وسرّح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدّث. فقيل له في ذلك؟. فقال: أحبّ أن أعظّم حديث رسول الله ﷺ، ولا أحدّث إلا مستمكنا على طهارة. وكان يكره أن يحدث الناس على الطريق، أو قائما، أو مستعجلا. ويقول: أحب أن أتفهّم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ. وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ مدفونة (١).
وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات والجمعة، والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أصحابها فيعزّيهم، ثم ترك ذلك كله، فقيل له في ذلك؟.
فقال: ليس كل الناس يقدر يتكلّم بعذره (٢).
وسعى به إلى المنصور إلى جعفر بن سليمان ابن عم أبي جعفر المنصور، وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشئ. فغضب جعفر، ودعا به، وجرّده، وضربه بالسياط، ومدّت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمرا عظيما، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علوّ ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليّا حلّي بها (٣).
وذكر ابن الجوزي في سنة سبع وأربعين ومائة: وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان (٤).
(١) وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ١٣٥ - ١٣٦. (٢) طبقات ابن سعد ٤٤١ - ٤٤٣، الجزء المتمم، ونقله ابن خلكان في وفيات الأعيان، والذهبي في تذكرة الحفاظ ١/ ٣١٠، وابن الجوزي في المنتظم ٩/ ٤٤. (٣) المنتظم لابن الجوزي ٩/ ٤٤، ووفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ١٣٧. (٤) والسلطان هو سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. انظر: المنتظم ٨/ ١٠٥ - ١٠٦.