وترفع عن رتبة القضاء وإن سمّي له خلافه. ولقد جالسته فخفت الغرق إذ فجأني سيله، وجاءني نهاره الذي محا ليله (١).
أصله من "زواوة" من بلاد أفريقية، وقدم البلاد كبيرا، وقد حصّل واشتغل، وصار يعدّ من الفقهاء، وأقام بمصر واشتغل بها، وحضر فيها الدروس، وزادت نباهته، وظهرت فضيلته، ثم قدم دمشق، وولي بها نيابة الحكم، وصرّف القضايا والأحكام بجأش رابط، ونفس قوية في الحق، ودام على هذا مدة ثم عاد إلى مصر وأقام بها. وفارقتها وهو أحد أئمتها الأعلام، وفقهائها الأفاضل، وإليه يرجع فيما أشكل من الفتاوى في مذهب الإمام مالك ﵁، وكان يتردّد إليّ، ويجتمع بي، وهو من أحسن الناس خلقا وخلقا. وأتمّهم فضلا في الفقه، ومشاركة في النحو والعربية، ونظرا في الهيئة، ومعرفة في مقادير الأفلاك، وأشكال الأرض، وأحوال الأقاليم والبلاد، ووضع المدن، وأحوال الأقاليم الشاسعة، والبحار الغامرة.
ولما ألّفت هذا الكتاب وسمع به كان يجيء إليّ ليقف على ما انتهى فيه شيئا بعد شيء، وربّما عاملني بالإحسان، ووقع منه موقع الاستحسان، ولقد استفدت منه فوائد في هذا الكتاب، ومعارف لولاها لما قدرت على الدخول من هذا الباب، وسيأتي في مواضع من هذا التأليف مقرا بما أعزوه من الرواية إليه. ولم أر في أمثاله من الفقه مثله في التجمّل، وحسن الهيئة، ومكارم الأخلاق، اللهم إلا إن كان ابن القوبع (٢).
ولقد يحكى عنه من سعة الصدر، وكرم النفس ما يستغرب من المغاربة،
(١) هنا قدر ثلاث كلمات ضرب عليها المؤلف. (٢) هو ركن الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن القوبع المالكي اشتغل بالحكمة والطب ولد بتونس سنة ٦٤٤ وتوفي سنة ٨٣٨ هـ (الدرر الكامنة ١٨١: ٤).