ولقد كنت أرى منه وأسمع عنه ما يملأ العين والأذن، وعهدي به يجتمع هو وابن القاصح (١) أحد فقهاء الشافعية الأخيار، وشيخنا أبو حيان بالمدرسة الصالحية، على تخت هناك، ويجري بينهم بحوث مفيدة، ومذاكرات جليلة، وربما تخلل ذلك بنكت طريفة ومداعبات لطيفة.
كان ابن القاصح على علمه وزهده تحدّثه نفسه بقضاء القضاة، ويظنّ أن الولاية تأتيه بكرة أو عشاء، لا يشك في هذا، وعرف هذا منه، فبقي كل متفرغ يأتي إليه ويقول له: يا سيدي .. سمعنا بأن السلطان ذكرك، وبلغنا أن فلانا شكرك، وأن فلانا وصفك عند أمراء الدولة وكبرائها، وقيل لنا إنك ذكرت للقضاء، وذكر معك فلان وفلان، فرجحت عليهم، وعيّنت دونهم، ومن هذا ومثله مما يعلم القائل أنه ينفق عليه (٢)، ويقع موقع الإعجاب منه، وهو يأخذ ما يقال له من هذا بالقبول، وتميل إليه أذنه.
وكان شيخنا أبو حيان ينهاه ولا ينتهي بعذله ولا يقبل، فاتفق شرف الدين عيسى هذا مع رجل من الفقهاء يعرف بالنجم سعيد، كان ظريفا مطبوعا، له نوادر، وطلبا ابن شيخنا أثير الدين أبي حيان، وكان إذ ذاك صغيرا، وقررا معه أن يقول لهما مقولة عن ابن القاصح، من هذا الباب، لينقلوه إليه، ويقولون: قال لنا ابن الأثير كذا وكذا، ليظن أنه علاء الدين ابن الأثير كاتب السر في ذلك الزمان. فقال لهم: اعلموا أن ابن القاصح قد ولّاه القضاء. ورسم بكتابه تقليده (٣). فلما قال هذا، طار إليه النجم سعيد، وقال له: يا سيدي جئتك
(١) هو علي بن عثمان بن القاصح فلكي مقرئ ولد سنة ٧١٦ وتوفي سنة ٨٠١ هـ (الأعلام ٢١١: ٤). (٢) أي يروج عنده ويستحسنه. (٣) أي أمر بمرسوم تعيينه لمنصب القضاء.