يا ساكني البطحاء هل من عودة … أحيا بها، يا ساكني البطحاء؟
إن ينقضي صبري فليس بمنقض … وجدي القديم بكم ولا برحائي
ولئن جفا الوسمي ما حل تربكم … فمدامعي تربي على الأنواء (١)
يا لائمي في حب من من أجله … قد جدّ بي وجدي وعزّ عزائي
هلاّ نهاك نهاك عن لوم امرئ … لم يلف غير منعّم بشقاء
لو تدر فيم عذلتني لعذرتني … خفّض عليك وخلّني وبلائي
أسعد أخيّ وغنّ لي بحديث من … حلّ الأباطح إن رعيت إخائي
وكفى غراما أن أبيت متيّما … شوقي أمامي والقضاء ورائي
وقوله [من البحر الكامل] (٢)
أو ميض برق بالأبيرق لاحا … أم في ربى نجد أرى مصباحا (٣)
أم تلك ليلى العامرية أسفرت … ليلا فصيّرت المساء صباحا
يا ساكني نجد أما من رحمة … لأسير إلف، لا يريد سراحا
هلاّ بعثتم للمشوق تحية … في طيّ صافية الرياح رواحا
يحيا بها من كان يحسب هجركم … مزحا ويعتقد المزاح مزاحا (٤)
يا عاذل المشتاق جهلا بالذي … يلقى مليا لا بلغت نجاحا
أقصر عدمتك واطرح من أثخنت … أحشاءه النجل العيون جراحا
ما ذا يريد العاذلون بعذل من … لبس الخلاعة واستراح وراحا (٥)
سقيا لأيام مضت مع جيرة … كانت ليالينا بهم أفراحا
واها على ذاك الزمان وطيبه … أيام كنت من اللغوب مراحا
(١) الوسمي: المطر الأول الذي يسم الأرض ويعلمها، وما بعده يقال له: الولي، لأنه يلي ما قبله "اللسان - مادة وسم". والماحل: الذي انقطع عنه المطر "اللسان مادة محل". والأنواء: جمع نوء، والمراد هنا: المطر النازل، "اللسان مادة نوء".
(٢) والقصيدة في ديوان ابن الفارض - صفحة ٣١٥.
(٣) الأبيرق: تصغير الأبرق، وهو مكان فيه حجارة ورمل وطين مختلطة، ومنزل على طريق مكة "معجم البلدان لياقوت".
(٤) المزاح: اسم مفعول من أزحت الشيء أزلته من موضعه.
(٥) الخلاعة: خلع أثواب التستر، وذلك لعدم التقيد بما عليه الناس من الحجاب ورعاية مقام المودة.