إنّ الله وهو العليّ العظيم، المعطي من شاء ما شاء، منّ على الإنسان بهذا اللسان؛ خلق ابن آدم وأودع فكّيه مضغة لحم، يصرفها في القرون الماضية، ويخبر بها عن الأمم الآتية؛ يخبر بها عمّا كان بعد ما خلق، وعمّا يكون قبل أن يخلق؛ ينطق بالتّواريخ عمّا وقع من خطب، وجرى من حرب، وكان من يابس ورطب؛ وينطق بالوحي عمّا سيكون من بعد، وصدق عن اللّه به الوعيد، ثم لم ينطق التّاريخ بما كان، ولا الوحي بما يكون، أنّ الله تعالى خصّ أحدا من عباده - ليس النّبيّين - بما خصّ به الأمير السّيّد يمين الدّولة وأمين الملّة، ودون الجاحد إن جحد أخبار الدّولة العباسية، والمدّة المروانية، والسّنين الحربية، والبيعة الهاشمية، والأيّام الأمويّة، والإمارة العدوية، والخلافة التيمية، وعهد الرسالة، وزمان الفترة؛ ولولا الإطالة لعدّدنا إلى عاد وثمود بطنا بطنا، وإلى نوح وآدم قرنا قرنا، ثم لم يجد قائل مقالا إلا أنّ ملكا وإن علا أمره، وعظم قدره، وكبر سلطانه، وهبّت ريحه، طرق الهند فأسر طاغيتها بسطة ملك، ثم خلاّه، وعرض الأرض قوة قلب، وصبّح سجستان، وهي المدينة العذراء، والخطّة العوراء، والطيّة العسراء، فأخذ ملكها أخذة عزّ وعنف، ثم خلاه تخلية فضل ولطف، ثم لم يلبث أن خاض في البحر إلى بهاطية؛ والسيل واللّيل جنودها، والشّوك والشجر سلاحها، والضّحّ (٢) والريح طريقها، والبرّ والبحر حصارها، والجنّ والإنس أنصارها؛ فقتل رجالها، وغنم أموالها، وساق أقيالها، وكسر أصنامها، وهدم أعلامها، كلّ ذلك في
(١) رسائل البديع ٢١ - ٢٦. وبها طية: من أعمال الهند، وهي وراء المولتان؛ وهي مدينة حصينة، عالية السور، يحيط بها خندق عميق؛ غزاها يمين الدولة محمود بن سبكتكين سنة ٣٩٥ هـ فافتتحها ونشر فيها الإسلام. (الكامل في التاريخ ٩/ ١٨٤). (٢) الضحّ: الشمس وضوؤها؛ يقال: جاء بالضح والريح، أي بما طلعت عليه الشمس، وما جرت عليه الريح. (القاموس).