وكان ينتحي لقافية الثاء المثلثة التي خضعت لأمره، وسخرت لفكره، وخفضت جناحها، وتركت جماحها، ورقت رقة الراء، وأعطته القياد الذي منعت من الكتّاب والشّعراء، وهذا ملك البلاغة السّليمانيّ؛ وهذا القلم سيد النصر اليماني، وهذا المعجز وأنا أول المؤمنين، وهذا السحر البياني وإن لم يكن السحر المبين؛ وما تصورت أن الثاء تهون هذا الهوان، ولا تنقاد في الكلم إلا أن يكون قلمه العنان، فقد صارت عروسا ونقّطها نقوط العرائس، ووجبت جنوبها، فلا جرم أنه مثل قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا اَلْبائِسَ﴾ (١) وقد صرنا نبدل السين بها بغير لثغة، ونقدر على استعمالها بلاغة، وما كنا نقدر على استعمالها إلا بلغة.
ومنه قوله:
وذكر اللّه ذلك العهد بخير ما ذكرت به العهود، ولعن اللّه الفرنج المخندقين، وقتل أصحاب الأخدود، فقد قطعوا طرقات المسار، وأطالوا عمر البيكار (٢)، وسكبت نار مقاساتهم الدّينار، فعجل اللّه إعلام الكافر لمن عقبى الدار (٣).
ومنه قوله، وكتب [إلى] ابن الزّكي (٤):
كان كتابي تقدم إلى المجلس السامي - أدام اللّه نفاذ أمره، وعلو قدره، وراحة سرّه؛ ونعّمه ويسّره، وأجراه على أفضل ما عوّده، وأسعد جده وأصعده،
(١) سورة الحج: ٢٨. (٢) البيكار: الحرب، المعركة، الحملة؛ وهي فارسية. (معجم دوزي ١/ ٥٠٦) (٣) من قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ اَلْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى اَلدّارِ﴾ [الرعد: ٤٢]. (٤) نهاية الأرب ٨/ ١٤.