الصفح، فلما دخلوا على هذه الهيئة، والخلائق تضج بالبكاء، فعوملوا بكل حسنى، فلما بلغ ذلك أبا عزيز، كان يقول: لعن الله أول رأي عند الغضب، وتوفي أبو عزيز في عز سلطانه بمكة، سنة سبع عشرة وست مائة، وكانت مدته نحو تسع عشرة سنة، وهي السنة التي استولى فيها المسعود بن الكامل على مكة، وفر منها أمامه إمامها حسن بن أبي عزيز (١)، وكان قد واطأ جارية لأبيه، حتى أدخلته إليه فخنقه، وأعانته الجارية، لأنها كانت قد طمعت منه بمال وعدها، وآمال جحدها، وخرج فقعد مكان أبيه والقلوب منه نافرة، والنفوس له عن البغضاء سافرة، وأكبّ عليه أخوه راجح بن أبي عزيز ووجوه الأشراف، أمير الركب العراقي، في حين قدم وقال كل منهم فيه بما علم، فغلق أبواب مكة وجمع للامتناع، ثم انسلّ من الجمع فريدا ونسل من جناح بني أبيه في البر المقفر طريدا، وأتى بغداد فمرض بها، وكان لا يزال يرى أباه يتردد إليه في منامه، ويضع يده في خناقه، فينتبه مذعورا، ويسمعه من معه في البيت يصيح وهو كالمتخبط، ويقول: بالله لا تفعل، ومات سنة ثلاث وعشرين وست مائة، وقام بعده أخوه راجح بن أبي عزيز (٢)، وكان لوفور عقله راجحا، ولحسن فعله حيث
(١) حسن بن أبي عزيز: هو حسن بن قتادة بن إدريس العلوي الحسني، أمير مكة وأحد الفتاك العتاة، أرسله أبوه مع عسكر بقيادة عم له للاستيلاء على المدينة، فقتل عمه في الطريق، وعاد إلى مكة فخنق أباه، وكان له أخ ينوب عن أبيه بقلعة ينبع، فاستحضره وقتله، واستقر في ملك مكة سنة ٦١٨ هـ، ونازعه أخوه (راجح) مستعينا بأمير الحاج، فظفر الحسن بأمير الحاج وقتله، ثم قتل أخاه راجحا، ولم تحمد سيرته فتفرق عنه أعمامه وكثير من أنصاره، وهاجمه الملك المسعود بن الكامل (صاحب مصر) سنة ٦٢٠ هـ ففر الحسن إلى الشام والجزيرة والعراق، ودخل بغداد فمات فيها سنة ٦٢٣ هـ. (ابن الوردي ٢/ ١٤٣، خلاصة الكلام ص ٢٤، دائرة معارف البستاني ٧/ ٤١) (٢) راجح بن أبي عزيز: هو راجح بن إدريس بن مطاعن، شريف ممن تولوا إمارة مكة، انتزعها من عمال مصر سنة ٦٢٧ هـ واستعادوها منه، وتوالى ذلك مرارا، حتى وليها ثماني مرات، وكان مواليا لبني رسول أصحاب اليمن، وساعده عمر بن علي على امتلاكها أول مرة، وحفلت أيامه -