للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٣٣ - المنصور بالله (١)

أبو الطاهر إسماعيل، وكان قد أوصى إليه أبوه بقصد مصر واستضافتها، وإعداد القرى لقري إضافتها، فشغلته الفتن التي قامت بأفريقية واستأصلت [ص ٥١] لولا عوارضها المستبقية، فإنها ثارت ثوايرها في كل قطر، وطارت بواترها في ظل السيوف البتر، وكان جهد المنصور أن يرقع خروقه، ويخيط بإبر الرماح فتوقه، ولم تعدّ همّته قدر الاستصلاح، ولم تعل عزمته على الدفع بالراح، وكان أقصى اجتهاده أن يذود عن حوضه الغرائب، ويذوب خوفا يخرج من بين الصلب والترائب، إشفاقا على ملكه من تجاذب الأطراف وتجابذ الأطراف، خشية أن ينتزع، وحذرا من قاصد بسيفه أن يزع.

قال ابن سعيد: وهذا المنصور مشبّه بالمنصور، لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكان يسلّ من الخلافة، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف، وحين [أراد] لبنيه ختانا لم تسمو همّة ملك إليه (٢)، أمر بأن يكتب له أولاد قواده وأجناده، وسائر رجاله وعبيده وأهل بلاده، وكساهم وكانو زهاء مائة ألف، ثم فرّق فيهم أموالا جزيلة وبدأ بالختان


(١) المنصور الفاطمي: إسماعيل بن محمد بن عبيد الله المهدي، أبو الطاهر، المنصور بنصر الله، ثالث خلفاء الدولة الفاطمية العبيدية بالمغرب، مولده بالقيروان، قام بالأمر بالمهدية (بأفريقية) بعد وفاة أبيه (القائم بأمر الله) سنة ٣٣٤ هـ، بنى مدينة بقرب القيروان سماها المنصورية، ونقل إليها حاشيته وجنده، كان حازما خطيبا بليغا، استطاع أن يقضي على الفتن القائمة في البلاد وخاصة فتنة أبي يزيد النكاري مخلد بن كيداد من أهل قسطيلة، وتوفي المنصور بالمنصورية ودفن بالمهدية سنة ٣٤١ هـ.
(ابن خلدون ٤/ ٤٣، ابن خلكان ١/ ٧٦، ابن الأثير ٨/ ١٥٠، ١٦٤، البيان المغرب ١/ ٢١٨)
(٢) كذا وردت العبارة في الأصل وفيها اضطراب وغموض، ومقصوده: حين أراد ختان بنيه أمر بإكساء أولاد القواد والأجناد والعبيد.

<<  <  ج: ص:  >  >>