وَمِنْ تِلْكَ الآثَارِ صَالِيَاتٍ يَعْنِي: الأَثَافِيَ، لأَنَّهَا صَلِيَتْ بِالنَّارِ حَتَّى اسْوَدَّتْ. وَأَجْرَى الكَافَ الجَارَّةَ مُجْرَى مِثْلٍ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهَا كَافًا ثَانِيَّةً، كَأَنَّهُ قَالَ: كَمِثْلِ مَا يُؤَثْفَيْنَ. وَ "مَا" مَعَ الفِعْلِ بِتَقْدِيرِ المَصْدَرِ، أَيْ: كَمِثْلِ إِثْفَائِهَا، أَيْ: إِنَّهَا عَلَى حِينَ أُثْفِيَتْ، وَالكَافَانِ فِي قَوْلِهِ: "كَكُمَا" لَا يَتَعَلَّقَانِ بِشَيْءٍ.
أمَا الأُولَى مِنْهُمَا: فَإِنَّهَا زَائِدَةٌ كَزِيَادَتِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١). وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ حَرْفَ الجَر إِذَا كَانَ زَائِدًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَقَدْ جَرَتْ مَجْرَى الأَسْمَاءِ لِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْهَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الأَسْمَاءِ. وَلَوْ سَقَطَتِ الكَافُ الأُولَى لَقَالَ: "لَكُمَا يُؤْثَفَيْنَ". وَكَانَ يَجِبُ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ الكَافُ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مَحْمُولٍ عَلَى مَعْنَى الصَّالِيَاتِ لَا عَلَى لَفْظِهَا، لأَنَّ قَوْلَهُ: "وَصَالِيَاتٍ" قَدْ نَابَ مَنَابَ و "مُثْفَيَاتٍ"، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمُثْفَيَاتٍ إِثْفَاءَ مِثْلَ إِثْفَائِهَا حِينَ نُصِبَتْ لِلْقِدْرِ، وَلَا بُدَّ لَكَ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ لِيَصِحَّ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "يُؤثَفَيْنَ" فَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُونَ فِي وَزْنِهِ مِنَ الفِعْل (٢).
فَقَالَ قَوْمٌ: وَزْنُهُ "يُؤَفَعَلْنَ" والهَمْزَةُ زَائِدَةٌ وَالتَاءَ فَاءُ الفِعْلِ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: يُثْفَيْنَ لِيَكُونَ كَيُرْضَيْنَ، غَيْرَ أَنَّهُ جَاءَ بِهِ عَلَى الأَصْلِ لِلضَّرُورَةِ. كَمَا قَالَ الآخَرُ:
فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِأَنْ يُؤَكَرَمَا (٣)
وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا المَذْهَبَ جَعَلَ وَزْنَ أُثْفِيَّةٍ أُفَعُولَةُ وَأَصْلُهَا أُثْفَويَةٌ، اجْتَمَعَتْ
(١) سورة الشورى (٤٢): الآية ١١.(٢) سيبويه في الكتاب: ١/ ٣٢ - ٤٠٨، ٤/ ٢٧٩؛ الفارسي في التكملة: ٢١٥ - ٢١٦.(٣) يروى لأبي حيان الفقعسي، والبيت في المقتضب: ٢/ ٩٨؛ المنصف: ١/ ٣٧، ٢/ ١٨٤؛ الإنصاف: ١/ ١٢؛ شرح الأشموني: ٣/ ٨٨٧؛ أوضح المسالك: ٤/ ٤٠٦؛ كتاب التنبيه والإيضاح: ١/ ٨٧؛ الخزانة: ٢/ ٣١٦.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.