وَالرَّابِعُ: أَنْ يَحْدُثَ بِزِيَادَةِ الحَرْفِ مَعْنًى لَمْ يَكُنْ فِي الكَلَامِ.
وَهَذَا النَّوْعُ أَطْرَفُ الأَنْوَاعِ الأَرْبَعَةِ وَأَلْطَفُهَا مَأَخَذًا، وَأَخْفَاهَا صَنْعَةً، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا النَّوْعِ أَرَادَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا هَذَا البَابَ أَنْ يَجْعَلُوا لِكُلِّ لَفْظ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنَى الآخَرِ، فَضَاقَ عَلَيْهِمُ المَسْلَكُ وَصَارُوا إِلَى التَّعَسُّفِ.
وَهَذَا النَّوْعُ كَثِيرٌ فِي الكَلَامِ يَرَاهُ مَنْ مُنِحَ طَرَفًا مِنَ النَّظَرِ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ مُعْرِضًا عَنْهُ. فَعَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: شَكَرْتَ زَيْدًا وَشَكَرْتُ لِزَيْدٍ. يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ أَنَّ دُخُولَ "اللَّامِ" هَاهُنَا كَخُرُوجِهَا، كَمَا تَوَهَّمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ (١) وَيَعْقُوبُ، وَمِنْ كِتَابِهِ نَقَلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مَا ضَمَّنَهُ هَذَا البَابَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: شَكَرْتُ زَيْدًا، فالفِعْلُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا قُلْتَ: شَكَرْتُ لِمُحَمَّدٍ، فَالفِعْلُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ بِدُخُولِ اللَّامِ، لأَنَّ المَعْنَى: شَكَرْتُ لِمُحَمَّدٍ فِعْلَهُ، وَإِنَّمَا تَتْرُكُ ذِكْرَ المَفْعُولِ اخْتِصَارًا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ظُهُورُ المَفْعُولِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: (طويل)
شَكَرْتُ لَكُمْ آلَاءَكُمْ وَبَلَاءَكُمْ … وَمَا ضَاعَ مَعْرُوفٌ يُكَافِئُهُ شُكْرُ (٢)
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهم: كِلْتُ الطَّعَامَ، وَوَزَنْتُ الدَّرَاهِمَ، فَيُعَدُونَهُمَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ. فَيَقُولُونَ: كِلْتُ الطَّعَامَ لِزَيْدٍ، وَوَزَنْتُ الدَّرَاهِمَ لِعَمْرٍو، فَإِنَّمَا يَتْرُكُونَ ذِكْرَ المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ اخْتِصَارًا. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالُوا: كِلْتَ زَيْدًا، وَوَزَنْتُ عَمْرًا، حَذَفُوا حَرْفَ الجَرِّ وَالمَفْعُولَ الثَّانِيَ اخْتِصَارًا وَثِقَةً بِفَهْمِ السَّامِعِ.
وَذَكَرَ ابْنُ دَرَسْتَوَيهِ: "أَنَّ نَصَحْتُ زَيْدًا، وَنَصَحْتُ لِزَيْدٍ، مِنْ هَذَا البَابِ، وَأَنَّ اللَّامَ إِنَّمَا تُدْخِلُهُ لِتُعَدِّيَهُ إِلَى مَفْعُولٍ آخَرَ، وَأَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: نَصَحْتُ لِزَيْدٍ، مِنْ هَذَ البَابِ، وَأَنَّ اللَّامَ إِنَّمَا تُدْخِلَهُ لِتُعَدِّيَهُ إِلَى مَفْعُولٍ آخَرَ، وَأَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: نَصَحْتُ لِزَيْدٍ، فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ: نَصَحْتُ لِزَيْدٍ رَأْيِي أَوْ مَشْوَرَتِي، فَيُتْرَكُ ذِكْرُ المَفْعُولِ الثَّانِي اخْتِصَارًا، كَمَا يَتْرُكُونَ ذِكْرَ المَفْعُولِ الثَّانِي فِي قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ
(١) أدب الكتاب: ٥٢٣.(٢) البيت لحجية بن المضرب في: أمالي القالي: ١/ ٥٣؛ الحماسة البصرية: ٣/ ٥٦.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.