للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مسيحًا، وأعدت لأعدائها منه مشيحًا، وكان بسقام الخلافة طبًا خبيرًا، وبالانتقام لها مبيدًا مبيرًا، وهو مع هذه الصرامة التي تتآكل منها النار، والشهامة، التي يتفتح بها شجر القناء بالجلنار أرقّ من النسيم شمائل، وأرق من الغيد بوصف البانة المتمايل، يوفي في كل مقام حقه، وكل مقال صدقه، ويضحي به البؤس، ويضحك الزمان العبوس، حضر مع مواليه للمنادمة، وقد بذل لهم لبلوغ المنى دمه، وكان يُغنّى له بالأصوات، ويعنى في كل شعر له موات، وكان قوي القريحة مما لا يدرك مهله، ولا يظن البحار إلا نهله.

قال أبو الفرج: وكان أحمد بن أبي دؤاد ينكر أمر الغناء إنكارًا شديدًا فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك فستر المعتصم أحمد بن أبي دؤاد عليه من موضعه، والكراهة ظاهرة في وجهه؛ فلما رآه قال أحمد: سوءةً لهذا من فعل أبعد الستين، وهذا المحلّ تضع نفسك بما أرى؟ فخجل أبو دلف وسور وقال: إنهم أكرهوني على الغناء قال: أفأكرهوك على الإحسان فيه.

قال أحمد بن عبيد الله كنا عند المبرد يومًا، وعنده فتى من ولد أبي البختري؛ وهو ابن أبي وهب بن عمار القاضي له جمال ظاهر، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البختري أعرف لجدك قصة من الكرم حسنة لم يسبق إليها، قال: وما هي؟ قال: دعا رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقي نبيذًا غير الذي يشربون، فقال فيهم (١): [من المتقارب]

نبيذان في مجلس واحد … لإيثارِ مُثْرٍ على مُقْتِرِ

فلو كان فعلك ذا في الطعام … لزمت قياسك في المسكر

ولو كنت تطلب شأو الكرام … فعلت كفعل أبي البختري

تتبع أخوانه في البلاد … فأغنى المقل عن المكثر

فبلغت الأبيات أبا البختري، فبعث إليه ثلاثمائة دينار. قال ابن عمار؛ فقلت له: قد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى أحسن من هذا، قال: وما فعل؟، قال: بلغه أن رجلًا افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال (٢): [من البسيط]

إليكِ عنِّي فقد كلَّفتني شَطَطًَا … حمل السلاح وقول الدارعين قَفِ

تمشي المنايا إلى قوم فأكرهها … فَكَيْفَ أَمشي إليها عاري الكتف

حسبتُ أَنَّ نَفَادَ المال غيَّرني … وأَنَّ روحِيَ في جنبي أَبي دُلَفِ


(١) الأغاني ٨/ ٢٦٤.
(٢) الأغاني ٨/ ٢٦٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>