فبلغت الأبيات أبي دلف، فأحضره، وقال: كم أملت أن تعيش عشرين سنة؟
قال: فأمر بإعطائه ألف دينار، قال: فأريت وجه ابن أبي دلف يتهلل وانكسر ابن أبي البختري انكسارًا شديدًا في شعر أبي دلف. وله فيه صنعة قوله (١): [من الوافر]
بنفسي يا جنان وأنتِ منّي … مكانَ الرُّوحِ في جسد الجبانِ
ولو أني أقول مكان نفسي … خشيتُ عليكِ بادرة الزمان
لإقدامي إذا ما الخيل حامتْ … وهاب كماتها جَرّ الطَّعانِ
حدث المبرد، قال: دخل علي بن جبلة الشاعر على أبي دلف فأنشده قصيدته التي يقول فيها (٢): [من المديد]
إنما الدنيا أبو دُلَفٍ … بينَ باديهِ ومُحْتَضَره
فإذا ولى أبو دلف … ولت الدنيا على أَثَرَة
يا أولاء الأرض إن فسدت … ومجبر العُسْرِ مِنْ يُسْرِه
لست أدري ما أقولُ لهُ … غيرَ أَنَّ الأرضَ في خَفَرِه
كلُّ مَنْ في الأرضِ مِنْ عَرَبٍ … بين باديهم إلى حَضَرِه
مُستعيرٌ منكَ مَكْرُمَةً … يكتسيها يومَ مُفْتَخَرِهْ
فاستحسنها القوم، وقالوا: أيها الأمير ما هذه من قبله، وما هي إلا من بحر كانت رقيق الطبع، فقال له أبو دلف: ألا تسمع ما يقولون؟ قال: بلى أصلح الله الأمير قال: والذي يصدقك، قال: أن أعطي صدورًا فأردفها بأعجاز فضحك أبو دلف، وقال: أنصفت وبالغت، ثم تناول أبو دلف القلم والبياض وكتب (٣): [من الرجز]
ريعت لمنشور على مَفْرِقِهِ … ذَمَّ لها عهد الصبا حين انتسب
إهرام شيب جدد في رأسه … مكروهة الجدة أنضاء العَقِبْ
ثم ناوله ذلك، وقال: ابن لي عليه أبياتًا، وقد أجلتك فيه حولًا، فقال: أيها الأمير تأمر فيفرغ لي بيت حتى يكون أجلى للشك، فأمر أبو دلف أن يُخلى له بيت، ثم ركب أبو دلف إلى المأمون، وخرج معه متصيدًا فرجع آخر النهار؛ فلما نزل لم ينزع سواده. قال: ليت شعري ما خبر علي بن جبلة الشاعر، قال: أيها الأمير إنه زعم إنه فرغ من عمل القصيدة، فقال: ويحكم أخرجوه إلي فأخرج، فقال أبو دلف: هيه يا علي ما عملت؟ قال: قد فرغت، قال: هات ويحك بيض وجهي عند من زعم أنك
(١) الشعر لأبي دلف في الأغاني ٨/ ٢٥٦.
(٢) الشعر لعلي بن جبلة العكوك في شعره (ط عطوان) ٦٨.
(٣) الشعر لعلي بن جبلة في شعره (ط عطوان) ٣٢.