للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونقل أن رجلًا من طلبة العلم باليمن وقع إليه كتاب في اللغة سقط أوله، وأعجبه جمعه وترتيبه، فاتفق أنه حجّ فحمله معه، وكان إذا اجتمع بأديب أراه ذلك الكتاب وسأله عنه: هل يعرفه أو يعرف مصنفه؟ فلم يجد أحدًا يخبره بذلك. فأراه في بعض الأحيان لبعض الأدباء، وكان ممن يعلم حال أبي العلاء وتبحره في العلم، فدله عليه. فخرج ذلك الرجل إلى الشام، ووصل إلى معرة النعمان، فاجتمع بأبي العلاء، وعرفه ما حمله على الرحلة إليه، وأحضر ذلك الكتاب وهو مقطوع الأول، فقال له أبو العلاء: اقرأ منه شيئًا، فقرأ عليه فقال له أبو العلاء: هذا الكتاب اسمه كذا وكذا، ومصنفه فلان ابن فلان. ثم ابتدأ أبو العلاء فقرأ له أول الكتاب، إلى أن انتهى إلى ما هو عند ذلك الرجل. فنقل ما نقص منه عن أبي العلاء، وأكمل النسخة.

وقيل: إن الكتاب المذكور هو ديوان الأدب للفارابي. والله أعلم.

وقال محمد بن أبي بكر الحاتمي: ارتحلت أريد المعرة لألقي أبا العلاء، فلقيت في طريقي شابًا حسنًا وسيمًا وهو أعور، ومعه شخص وضيء الوجه، حسن الصورة، يعتبه عتابًا لطيفًا، فلما انتهى إلى آخر عتابه، قال له الشاب الأعور منشدًا: [من الكامل المرفل]

إن كنتُ خنتُكَ في الهَوَى … فحُشِرتُ أقبح من فضيحة

قال الحاتمي: فرمت أن أزيد على هذا البيت فلم أستطع، لكثرة طربي به، إلى أن انتهيت إلى المعرة، ودخلت على أبي العلاء، فكان أول حديثي معه أن تذاكرنا في أبيات من الشعر، ذكر منها بيت جهل قائله، وهو (١) [من الرمل]

إنما تسرح آسادُ الشَّرَى … حيثُ لا تُنصَبُ أشراكُ الحَدَقْ

فقال: لقد أضاء بصيرة وإن عمي بصرا. فقلنا له: أتعرف لمن الشعر؟ فقال: لا. فبحثنا عنه، فوجدناه لبشار بن برد. ثم خلوت معه، فسألني: من أنت؟ فانتسبت إليه، فقال: أنشدني شيئًا من شعرك، فأنشدته، ثم حكيت له حكاية الشاب، وأنسيت أن أقول له: إنه أعور، وأنشدته قوله:

إن كنتُ خنتك في الهوى … فحُشرتُ أقبح من فضيحة

فأسرع أن قال لي: أفلا زدت عليه:

وجحدتُ نعمة خالقي … وفقدتُ مقلتي الصحيحة


(١) انظر: ديوان بشار ٤/ ١١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>