ومزاحٌ مذموم: وهو كل ما يثير العداوة والبغضاء، ويفسد الصداقة والمودة، ويوغر الصدور، وينبت الغلّ والحسد؛ فالمزاح في إثم يسود الوجه، ويدمي القلب، ويورث الضغينة، والعاقل يستعمل من المزاح ما يُنسب بفعله إلى الحلاوة والملاحة، ولا يؤذي به أحدًا من إخوانه، والمزاح ينبغي أن يكون بين الناس كالملح في الطعام، لابد من قليله، وكثيره يفسد قليله، ومن كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن مزح مع من لا يعرفه استخفَ به، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن مازح رجلًا من غير جنسه هان عليه، واجترأ عليه.
والعاقل يجالس العلماء ليستفيد من علومهم، وآدابهم، وأخلاقهم، ويجالس العامة ليعظهم، ويربيهم، ويحسن إليهم، وينصحهم، وما سوى ذلك فالوحدة خيرٌ من جليس السوء.
والعاقل يرى أنه قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بإخوانه، فيستكثر من الإخوان الصالحين الذين يذكرونه إذا نسي، ويعلمونه إذا جهل، ويصوّبونه إذا أخطأ، ويعينونه إذا عجز، ويسلونه إذا اغتم، ويأخذون بيده إذا عثر: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وصيانة الأخوة إنما تكون بالاستغناء عما في أيدي الإخوان، ومقصود المؤاخاة ليس الاجتماع والأكل والشرب، لأن البهائم والبغال والحمير يجتمعون على ذلك، وإنما المقصود التناصح، ولزوم التواضع، واكتساب المناقب: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].